رحلة السلطان حسن بن قلاوون بين السلطة والعمارة والموت الغامض
في مثل هذا اليوم من عام 1347م - 748هـ، تولى السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون عرش الدولة المملوكية في مصر والشام والحجاز، خلفًا لأخيه المظفر حاجي، وحسن كان الابن الثامن للسلطان الناصر محمد بن قلاوون، أحد أبرز سلاطين المماليك البحرية، ليكون بذلك السلطان التاسع عشر من المماليك الترك والسابع من أبناء أبيه الذين اعتلوا العرش.
تولى السلطان حسن السلطنة مرتين؛ الأولى في سن الثالثة عشرة، حيث كانت السلطة الفعلية بيد الأمراء، وتولى الوصاية عليه الأمير شيخون العمري، ومع تقدمه في العمر، أصبح الحاكم الفعلي لمصر، لكنه عزل عام 1351م وسجن لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يعود إلى الحكم عام 1354م ويستمر على العرش حتى نهايته.
السلطان حسن كان شخصية حازمة ومهيبة، شجاع وذكي، رفيق بالرعية ومتدين، بعيد عن شرب الخمر والفواحش، وهو ما ميزه عن كثير من أمراء المماليك في عصره.
مسجد السلطان حسن
من أبرز إنجازاته المعمارية مسجد ومدرسة السلطان حسن، الذي يُعد من أضخم وأجمل مساجد القاهرة التاريخية، ودرة العمارة المملوكية في ذروة نضجها، بدأ البناء عام 1356م، واستمر حتى 1362م ، ليُشيد على أرض ميدان صلاح الدين بالقلعة، مقابل مسجد الرفاعي، في نهاية شارع محمد علي، محاطًا بأجواء تاريخية تروي قصة ماضٍ عريق.
يتميز المسجد بصحن مكشوف واسع تتوسطه فسقية مركزية تعلوها قبة ضخمة، محاط بأربعة إيوانات ضخمة في زواياه، تعكس روعة العمارة المملوكية وبراعة التصميم الهندسي في تلك الحقبة.
ويتصل بالصحن أربع مدارس صغيرة لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، كما تضم المدرسة خلايا سكنية للطلاب وملحقات خدمية متنوعة تتزين واجهات المسجد والمحراب والمنبر بزخارف حجرية ورخامية دقيقة، بينما ترتفع مئذنتان شاهقتان لتتوج المسجد في منظر خلاب يُشعر الزائرين بعظمة المكان وهيبته.
لم يقتصر دور المسجد على العبادة فقط، بل كان يُستخدم أحيانًا كحصن دفاعي بسبب قربه من القلعة، حيث أُطلقت من سطحه المجانيق أثناء الفتن بين الأمراء، وخضع المسجد لترميمات عدة على مر العصور، ليظل اليوم من أبرز معالم القاهرة الإسلامية وأكثرها جذبًا للزوار من جميع أنحاء العالم.
نهاية غامضة لحياة السلطان
رغم إنجازاته العظيمة، انتهت حياة السلطان حسن بشكل مأساوي عام 1361م (762هـ)، حين قُتل على يد أحد مماليكه، الأمير يلبغا العمري، وسط صراعات على السلطة، اختفى جثمانه تمامًا ولم يعثر عليه حتى اليوم، مما أثار العديد من الأقاويل؛ فبعض يقول إنه دفن في أكوام منطقة مصر القديمة، وآخر يرى أن جسده أُلقي في النيل، لم يدفن في الضريح الذي أعده لنفسه داخل المسجد، بل دفن فيه لاحقًا ابناه.