رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الكشري في «اليونيسكو».. ومطبخ أبلة «نظيرة» يغزو منصات التواصل

كتاب أبلة نظيرة
كتاب أبلة نظيرة

في قلب كل بيت مصري يبقى المطبخ هو المكان الرئيسي للدفء الأسري والأكلات المميزة بنكهات مختلفة تجمع الجميع أفراد المنزل حول مائدة عامرة بأنواع وفنون الطعام التي تعلمتها الزوجات والأمهات وتوارثوها جيل بعد جيل.


من يمر على أي مطبخ مصري لا بد أن يشم رائحة مميزة تجمع العدس والأرز والمكرونة والبصل المقلي والصلصة أو التقلية، لتذكرنا بطبق مميز لم يكن يوماً مجرد وجبة بل يمثل رمزاً للهوية المصرية، وهو طبق الكشري، تلك الوجبة التي لم تكن يوماً كأي طعام، هذه الوجبة التي بدأت على عربات في الشوارع وأصبحت اليوم جزءاً من التراث الغذائي المسجل رسمياً بمنظمة اليونيسكو باعتبارها إحدى الوصفات التراثية.

 الكشري ببساطة مكوناته أكلة سهلة التنفيذ، لكن رحلته التي أوصلته لليونيسكو لم تكن أبداً سهلة، ولم تكن منفصلة عن المطبخ المنزلي، وبالخصوص عن مطبخ أبلة نظيرة، المرأة التي غيرت وجه الطهي المصري ووضعت قواعده داخل البيوت المصرية.


"أبلة نظيرة".. رحلة كفاح المرأة المصرية


نظيرة نيقولا، أو "أبلة نظيرة" لا تمثل المطبخ المصري وتراثه الغني فحسب، بل عبر عن رحلة كفاح المرأة المصرية، فلم تكن مجرد طاهية، بل كانت قصة شكلت مراحل "الست الأصيلة" على مر الأجيال منذ سفرها مع أثنى عشر فتاة إلى إنجلترا عام 1926 وحتى عودتها بعد ثلاث سنوات درست خلالها التدبير المنزلي، ثم تعيينها كمدرسة وبعدها نالت منصب المشرف العام على وزارة التربية والتعليم، وقبل هذا كله أولت أهمية كبرى للطهي وفنونه فألفت كتابها الشهير "أصول الطهي"، وكتباً أخرى حول الاهتمام بالمنزل ونظافته، وكانت مرجعاً لكل فتاة مقبلة على الزواج.


راعى الكتاب الذي ألفته "أبلة نظيرة" وزميلتها بهية عثمان الحالة الاقتصادية للأسر المصرية، فأصبحت وصفاته مرجعاً لكثير من الأسر وأصبح حديث الناس، وضيفاً رئيساً في جهاز العرائس. وفي مقدمة الكتاب، قالت المؤلفتان إنه مقدم إلى أمهات الحاضر والمستقبل، متخذاً البساطة والإتقان سبيلاً. 


وعلى رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدور الكتاب، الذي أصبحت نسخه نادرة وتباع إن وجدت بأسعار مرتفعة، فإن الحنين إلى وصفاته ما زالت محل اهتمام الفتيات المصريات اللاتي اعتمدن وصفاته في مطبخهن حتى إن بعضهن أنشأن قنوات خاصة على منصة "يوتيوب" لتنفيذ وصفات أبلة نظيرة.


رحلة بحث عن كتاب "أبلة نظيرة"


لم تكن الشابة دعاء حسونة تعرف أن محاولاتها المستمرة عبر سنوات للحصول على النسخة الأصلية لكتاب "أبلة نظيرة" ستغير علاقتها بالمطبخ المصري. 


وتحكي دعاء في حديثها مع "إيجبتك" أنها ورثت حب الطهي عن جدتها، تلك السيدة القاهرية التي كانت تقف ساعات أمام الفرن لتحضر الطواجن المختلفة، وكان طبق الكشري من الأطباق المميزة التي تعلمتها الجدة من كتاب "أبلة نظيرة". وتقول: "كان تحضير جدتي للطعام طقساً مقدساً، وفي كل مرة أشم طعام جدتي كنت أحس أن الأكل ليس مجرد طعام نأكله أنما هو حكاية وذاكرة".


سنوات طويلة ظلت دعاء تبحث عن نسخة من كتاب أبلة نظيرة، تتنقل بين المكتبات القديمة ومحال الكتب المستعملة، تسأل كل من تعرفه حتى عثرت عليه أخيراً في مكان يبيع الكتب المستعملة، تصف لحظة حصولها عليه وكأنه تذكار من زمن آخر، ولا تنسى كيف ارتعشت يداها عندما مسكت النسخة للمرة الأولى والتي دون عليها بماء الذهب اسم صاحبة الكتاب حيث كانت كل طالبة في معهد التربية للتدبير المنزلي تحصل على نسختها الخاصة: "وأنا بقلب صفحاته حسيت إني برجع لمطبخ جدتي، نفس الدقة، نفس الترتيب، نفس الاحترام للوصفات".


قصة دعاء ليست إلا جزءاً من حكاية أكبر وهي تطور المطبخ المصري من بيئة تقليدية تقودها وصفات "أبلة نظيرة"، إلى عالم أكبر تقوده الوصفات السريعة على وسائل التواصل الاجتماعي.


فكرت دعاء في طريقة تحيي بها مطبخ "أبلة نظيرة" فجربت وصفاتها في طهي أكثر من صنف ونشرتها على صفحتها على "فيسبوك" وحققت تلك الوصفات انتشاراً ملحوظاً.


اقتصاد بسيط قائم على مكونات رخيصة ومتاحة

وعن ذلك تقول "وصفات أبلة نظيرة تمثل اقتصاداً بسيطاً قائماً على مكونات رخيصة ومتاحة، ومن أهمها الكشري الذي قدمته بوصفات موجودة في كل بيت مصري، بمزيج بسيط من العدس والأرز، أصبح رمزاً للهوية اليومية للناس".


وقدمت "أبلة نظيرة" طبق الكشري بطريقته التقليدية المكونة من عدس بجبة والأرز الرشيدي وبصلتين مفريتين (مفرومتين) وملعقتين من السمن أو الزيت مع الملح والفلفل وصلصة الطماطم المكونة- بسب ما جاء في الكتاب- من ربع رطل طماطم مصفاة وتستمر بالطريقة البسيطة المعروفة حتى الآن في كل بيت مصري، تختلف فقط في دقتها في توقيت إضافة المكونات، وهو ما ميز مطبخها التراثي.


رمز للجيل المتقن للطهي قبل العصر الرقمي 


تمثل "أبلة نظيرة" رمزاً للجيل المتقن للطهي قبل العصر الرقمي، وتقول الشيف هناء الشرقاوي في حديثها مع "إيجبتك" إن صعود منصات مثل "تيك توك" و"إنستجرام" جعل الجمهور ينجذب لوصفات قد تبدو مبهرة بصرياً أكثر من كونها تقليدية أو حتى ذات قيمة غذائية، فانتشرت الخلطات السريعة ووصفات "الكرنشي والستيك والباستا الكريمي" وغيرها، وفي مقابل تراجع الوصفات البسيطة التي كانت تملأ المطبخ المصري مثل "الكشك والعدس" وغيرها، وانتشرت وصفات الـ30 دقيقة المتأثرة بالتريند.


وعلى رغم من طرافة وصفات "التريند" ومخاطبتها للفئات العمرية الصغيرة، إلا أنها تربك الذوق العام أحياناً وتبعده عن أصول الطهي، بل جعلت الطعام طبقياً، وهو الأمر الذي تؤكده دراسة لمروة محمد تهامي صادرة عن قسم الإنثروبولوجي بكلية الدراسات الأفريقية العليا، حيث "تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في توجيه الأفراد وتشكيل أفكارهم حول الطعام وتحديد اختياراتهم، فأصبح الطعام مؤشراً طبقياً، يحدد المستوى الاجتماعي للأشخاص، فكلما نطقت الأكلات بشكل أكثر عصرية وقفت في مصاف الطبقات المرفهة".


تأثير "السوشيال ميديا" في اختيارات المصريين للطعام 


بخلاف ذلك، فإن السوشيال ميديا أثرت في اختيارات المصريين للطعام، وهو ما عبرت عنه عدد من الدراسات اطلعت "إيجيبتك" على عدد منها، ومنها دراسة لحازم راشد جابر تؤكد أن "وسائل التواصل الاجتماعي بإعلاناتها المكثفة للوجبات السريعة نجحت في زيادة الإقبال على الوجبات السريعة على حساب الأكلات المنزلية والتقليدية التي شكلت لسنوات جزءاً من الهوية الغذائية للمجتمع المصري".


وقالت الدراسة إن الاعتماد على الصور الجذابة ومقاطع الفيديو القصيرة والاستعانة بالمؤثرين خلق ارتباطاً ذهنياً بين الوجبات السريعة ونمط الحياة العصري، خصوصاً لدى الفئات العمرية الأصغر، هذا الحضور الطاغي بحسب الباحث لا يغير فقط خيارات الطعام، بل يضعف العلاقة اليومية مع المطبخ التقليدي الذي لم يعد حاضراً بالزخم نفسه في الفضاء الرقمي مما ينذر بتراجع تدريجي لدوره في الحياة اليومية للأسر المصرية.


وأشارت الدراسة إلى أن "السوشيال ميديا" قد تنقل بعض الطعام التقليدي لخانة "النوستالجيا"، وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام محاولات الحفاظ على الكشري وغيره من الأطعمة المصرية كجزء حي من الثقافة اليومية لا مجرد عنصر تراثي محفوظ في الذاكرة.


وبنظرة سريعة أكثر واقعية على تأثير "السوشيال ميديا" بوصفاتها على الطعام التقليدي أو التراثي كالكشري، نجد أنه تحول من صورته التقليدية إلى صورة جديدة، فتحول إلى أشكال مختلفة منها الكشري بالهريسة، والكشري النباتي، كشري فاخر مع شرائح ستيك حتى كشري الـ10 دقائق.


عودة قوية لكتب التراث ومطبخ الجدات 


رغم موجة المؤثرين، لم ينته تأثير أبلة نظيرة، وما زالت هناك عودة قوية لكتب التراث ومطبخ الجدات، ومجموعات فيس بوك تدعم عودة الأكلات التراثية وترشحها بشدة، وأعادت تلك المجموعات وكذلك مقاطع الفيديو التقليدية للأكلات التراثية شعبيتها، وتسعى تلك الجروبات لتسجيل وصفات أخرى ومن ضمنها المحشي لقائمة التراث العالمي لليونيسكو.

 

وهو ما تؤكده الشيف دعاء حسونة في حديثها مع "إيجيبتك" إذ ترى أنه ليست هناك مشكلة في تقديم الوصفات بشكل عصري طالما الأساس موجود والوصفات والمكونات واحدة من المطبخ التراثي المصري، وطالما كانت أصناف الطعام بطريقة عصرية وسيلة مهمة لتقديم تلك الأكلات للأجيال الجديدة دون التخلي عن "نكهة ومكونات وصفات الزمن الجميل".


وفي رأي حسونة، "فإن رحلة المطبخ المصري اليوم أشبه بوجبة الكشري نفسها، طبقات متراكمة من الزمن كل طبقة تضيف نكهة، وكل جيل يضع بصمته، فلم يتغير المطبخ المصري، أصبحنا نرى أنفسنا بعيون عصر مختلف".
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء