رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يزداد يقيني يومًا بعد يوم بأن العودة المنهجية والمنظمة لدراسات الرأي العام في مصر أصبحت ضرورة، فالمشهد الرقمي اليوم — رغم زخمه وتنوعه — بات يقدم صورة شديدة التشوّه عن اتجاهات المصريين، بسبب طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، وبسبب التدخلات الخارجية التي تستغل الذكاء الاصطناعي لصناعة رأي عام مزيف ومُوجّه. وفي المقابل، لا يمكن لصانع القرار في أي دولة أن يضع خططًا دقيقة بدون بيانات حقيقية ومنظمة تمثل الشعب تمثيلًا واقعيًا.

 

وقد أثبتت دراسات دولية موثوقة أن منصات التواصل الاجتماعي لا تعكس الرأي العام الحقيقي، وإنما تمثل فقط الشريحة الأكثر نشاطًا وصخبًا، بينما تظل الأغلبية الصامتة — التي تشكّل العمود الفقري للمجتمع — غائبة عن هذه المساحات. 

 

فعلى سبيل المثال، كشف تقرير Pew Research Center بعنوان "Social Media Use in 2021" الصادر من واشنطن، أن مستخدمي منصات التواصل يختلفون ديموغرافيًا عن عموم السكان، وأن أقل من 20% من المستخدمين ينتجون أكثر من 80% من المحتوى السياسي، وهو ما يؤدي إلى الانحياز في قراءة الرأي العام. وبصورة تكاملية، أظهرت دراسة "Digital News Report" الصادرة عن Reuters Institute – University of Oxford في المملكة المتحدة، أن النشاط الرقمي لا يمثل التوجهات الحقيقية للسكان، وأن الخوارزميات ترفع أصوات مجموعات صغيرة على حساب المجتمع بأكمله.

ولا يقتصر الأمر على الانحياز في التمثيل، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة رأي عام مزيف، كما أوضحت دراسة مرصد الإنترنت في جامعة أكسفورد Oxford Internet Institute بعنوان "Computational Propaganda: Political Parties, Politicians, and Manipulation on Social Media". 

 

 كشفت أن جيوشًا إلكترونية مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم لتضخيم اتجاهات معينة أو خلق نقاشات مصطنعة بهدف التأثير على وعي الشعوب، وهو ما يتطلب من الدول — ومنها مصر — أدوات علمية دقيقة لتجنب الوقوع في فخ التقديرات الخاطئة.

 

كما أظهر البنك الدولي في دراسة "The Digital Divide and Social Media Representation" أن الفجوة الرقمية تجعل المنصات الإلكترونية تمثل أساسًا الفئات الأعلى دخلًا والأكثر تعليمًا، فيما تغيب عنها الشرائح الريفية، والعمال، وكبار السن، وهي الشرائح التي تُعد الأكثر أهمية عند تقدير الرأي العام الحقيقي. أما دراسة MIT المنشورة في مجلة Science بعنوان "The Spread of True and False News Online" فقد أوضحت كيف تنتشر الأخبار المضللة على المنصات أسرع بست مرات من الأخبار الحقيقية، مما يجعل الاعتماد على السوشيال ميديا لقياس اتجاهات الناس — وليس حتى للتعرف على الحقائق — مغامرة غير محسوبة.

من هنا تأتي الأهمية الجوهرية لاستطلاعات الرأي العلميّة التي تعتمد على عينات ممثّلة للدولة المصرية، تستخدم أدوات القياس المحايدة، وتسمح بقراءة دقيقة وهادئة لأفكار وتطلعات المواطنين، فاستطلاعات الرأي ليست مجرد قياس “للمزاج العام”، بل هي وسيلة لدمج صوت المواطن في عملية صنع القرار، وكشف توجهات المجتمع تجاه ملفات حيوية مثل التعليم والصحة والأسعار والإسكان والنقل والأمن والسياسات الاقتصادية. وهي تساعد على قياس رضا المواطنين عن الخدمات، وتقييم سياسات قائمة، والتنبؤ بتأثير سياسات جديدة، وتقديم مؤشرات إنذار مبكر لأي مشكلات اجتماعية او اقتصادية أو سياسية قد تتفاقم إذا لم يتم التعامل معها مبكرًا. كما تفتح الباب أمام مشاركة موضوعية للشعب في رسم الأولويات، عبر إظهار الحلول التي يقترحها بنفسه، والتي غالبًا ما تكون واقعية ومرتبطة بخبراته اليومية.


ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تُعد استطلاعات الرأي أساسًا لبناء السياسات العامة، وهو ما تؤكده سلسلة دراسات Gallup World Poll الصادرة من الولايات المتحدة وسويسرا، والتي تُستخدم لتقييم اتجاهات الشعوب وتحديد أولويات الخطط الحكومية.

 

إن بناء مثل هذه المنظومة في مصر سيسمح بإدماج المواطنين في رسم سياسات الدولة، من خلال فهم توقعاتهم للحلول، ورؤيتهم لأسباب الأزمات وطرق الخروج منها، بل وطموحاتهم للمستقبل، كما أن البيانات الميدانية المحايدة ستمنح مؤسسات الدولة القدرة على مقاومة التضليل الرقمي، وتعزز الثقة المتبادلة بين المواطن وصانع القرار، وتُرسّخ مبدأ الحكم المبني على الأدلة.

وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي أداة لتشكيل الرأي العام وتوجيهه، لا بديل أمام الدول، ومنها مصر، عن تعزيز الاعتماد على أدوات القياس العلمي المنضبط، وتوسيع نطاق استطلاعات الرأي، وضمان استقلاليتها وتنوعها وشمولها الجغرافي والديموغرافي. فاستطلاعات الرأي ليست مجرد أرقام، بل هي “صوت الأمة” حين يُقاس بطريقة علمية محايدة تُعبّر بصدق عن المجتمع بكل فئاته.

إن مصر تمتلك من الخبرات الأكاديمية، ومراكز البحث، والقدرات الإحصائية ما يؤهلها لبناء نموذج وطني متقدم لاستطلاعات الرأي العام، يكون داعمًا لصنع القرار ومستندًا إلى بيانات علمية حديثة. وحين تصبح السياسات انعكاسًا للتحليل الإحصائي الدقيق لآراء الشعب، فإن الطريق يصبح ممهدًا لبناء دولة أكثر استقرارًا، وذات رؤية واضحة، تستند إلى الحقيقة لا إلى الضوضاء الرقمية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء