الاضطهاد في ثوب القانون.. أوكرانيا تحظر الكنيسة الأرثوذكسية
في خطوة غير مسبوقة، أعلنت دائرة شؤون القوميات وحرية الضمير الأوكرانية، بتاريخ 27 أغسطس 2025، اعتبار متروبوليتية كييف التابعة للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية جسمًا “تابعًا للكنيسة الروسية”، مستندة إلى القانون رقم 8371 الصادر في أغسطس 2024، والذي يتيح حظر المنظمات الدينية المرتبطة بدولة تشن عدوانًا على أوكرانيا.
تحقيق بدأ في مايو واستند إلى وثائق من 1990
جاء القرار نتيجة تحقيق موسّع بدأ في مايو 2025، وركّز على مدى استقلالية الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية عن موسكو، وقد استند التحقيق إلى وثيقة من عام 1990، منح فيها بطريرك موسكو ألكسي الثاني للكنيسة الأوكرانية وضع “الاستقلال والإدارة الذاتية”، وهو وضع اعتبرته اللجنة “شبه استقلال” يُبقي الكنيسة ضمن البنية الكنسية الروسية.
نصوص محدثة… ولكن تجاهَلها التحقيق
رغم أن النظام الداخلي للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية قد تم تعديله في مايو 2022 بعد اندلاع الحرب، ليؤكد على استقلالها الكامل، وأن مرجعيتها هي مجمعها العام ومجمع الأساقفة في كييف دون أي ذكر لموسكو، إلا أن اللجنة لم تأخذ بذلك، واعتبرت أن هناك أربعة أدلة على استمرار التبعية.
“أدلة” الدولة: ارتباطات رمزية أم واقعية؟
الهيئة الأوكرانية أوردت ما وصفته بـ”أدلة التبعية”، وهي: الابقاء على الإشارة إلى وثيقة 1990 في النصوص الكنسية، ووجود فصل في النظام الداخلي للكنيسة الروسية (2017) اقترحه المتروبوليت أونوفري يصف دور كييف كعضو دائم في السينودس الروسي، ومشاركه أساقفة أوكرانيين في مجالس روسية، والعضوية الدائمة للمتروبوليت أونوفري في المجمع الروسي.
ردّ الكنيسة: القرار تعسّفي ومبني على وثائق عدو
ردّ المتروبوليت أونوفري كان حادًا، حيث اعتبر القرار “غير دستوري وتدخّلًا في الشؤون الكنسية”، مؤكدًا أن الكنيسة أعلنت انفصالها الكامل عن موسكو منذ 27 مايو 2022، كما رفض الاعتماد على وثائق صادرة عن “كيان أجنبي يشن حربًا على أوكرانيا”، مستغربًا تجاهل السلطات لنصوص الكنيسة الجديدة.
إقالة مفاجئة… وخلاف داخلي
في تطور لافت، أشار المتروبوليت إلى أن الرئيسة السابقة للهيئة التي كانت مسؤولة عن ملف حرية الضمير، وأكدت استقلال الكنيسة في تصريحات رسمية، أُقيلت من منصبها. ما أثار تساؤلات حول خلفيات القرار السياسية وأبعاده داخل مؤسسات الدولة.
أونوفري شدد على أن الكنيسة لم تُمنح فرصة للدفاع عن نفسها خلال التحقيق، ولم تُخطر رسميًا بفتح الملف، ما يمثل – حسب وصفه – خرقًا صريحًا للدستور الأوكراني، ولمواثيق حقوق الإنسان وحرية الدين.
الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ردّت أيضًا بعرض جهودها الإغاثية والإنسانية منذ بداية الحرب عام 2022، والتي شملت تقديم مساعدات وخدمات للملايين من الأوكرانيين. واعتبرت هذه الجهود دليلًا عمليًا على استقلالها ووطنيتها، نافية بشدة وجود أي تبعية فعلية لموسكو.
بين القانون والسياسة.. سابقة خطيرة تهدد الحرية الدينية
يعتبر هذا القرار، بحسب مراقبين، سابقة في العلاقة بين الدولة الأوكرانية والمؤسسات الدينية. فقد اعتمد على نصوص تاريخية صادرة من روسيا، متجاهلًا التطورات القانونية والتنظيمية داخل الكنيسة منذ الحرب، ما يعكس منهجية انتقائية في تفسير القوانين.
الاضطهاد في ثوب القانون: قراءة كنسية لما يحدث
ترى الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية أن ما يجري هو امتداد لحملة اضطهاد بدأت منذ سنوات، هدفها فرض واقع كنسي جديد بالقوة، وتهميش الكنيسة التي رفضت الانخراط في ما تصفه بـ”انشقاقات لا تستند إلى القانون الكنسي أو العقيدة الأرثوذكسية”.
أزمة الكنيسة تكشف هشاشة العلاقة بين الدين والدولة
في ظل تصاعد الأزمة، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل باتت أوكرانيا تخلط بين الدفاع عن السيادة، ومحاربة الكنائس المستقلة بذريعة التبعية؟ وهل تسير البلاد نحو قمع الحرية الدينية باسم الوطنية؟
المشهد الحالي لا يخص فقط كنيسة أو مؤسسة، بل يمسّ جوهر النظام الديمقراطي وقيم العدالة وحقوق الإنسان في بلد يعيش لحظة مفصلية من تاريخه.