5 أسباب تجعل رئيس الفيدرالي القادم أخطر رجل اقتصادي في تاريخ أمريكا
قد لا يكون رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي القادم مجرد محافظ بنك مركزي تقليدي، بل مرشح لأن يصبح الأكثر تأثيرًا – وربما الأخطر – في تاريخ المؤسسة الممتد لأكثر من 112 عامًا.
القضية لم تعد تتعلق فقط بالسيطرة على التضخم أو دعم التوظيف، بل بمهمة أكبر وأكثر تعقيدًا: تمويل ثورة الذكاء الاصطناعي، حتى وإن كان الثمن تآكل القوة الشرائية للدولار الأمريكي، ولفهم خطورة المرحلة المقبلة، لا بد من العودة إلى المسار التاريخي الذي قاد الفيدرالي إلى هذه اللحظة المفصلية.

من قيود الذهب إلى «المنقذ الدائم»
خلال الفترة من 1913 إلى 1971، كان الاحتياطي الفيدرالي مقيدًا بربط الدولار بالذهب، ما جعله عاجزًا عن التدخل الفعال خلال الكساد العظيم. وحتى في الحرب العالمية الثانية، حين اضطر لتمويل المجهود الحربي عبر طباعة النقود، كان ذلك يُنظر إليه كحل استثنائي فرضته ظروف وجودية، ومع التخلي عن معيار الذهب، جاء بول فولكر في سبعينيات القرن الماضي ليخوض معركة شرسة ضد التضخم عبر رفع أسعار الفائدة لمستويات قياسية، مستفيدًا من انخفاض الدين الحكومي آنذاك.
وفق محللين، هذا الخيار، لم يعد متاحًا اليوم في ظل تضخم الدين الأمريكي، ومنذ آلان غرينسبان، دخل الفيدرالي مرحلة جديدة عُرفت بـ«الإنقاذ الدائم»، حيث أصبح التدخل لحماية الأسواق أمرًا مسلمًا به، وتعمق هذا النهج مع بن برنانكي خلال أزمة 2008، قبل أن يصل إلى ذروته في عهد جيروم باول الذي ضخ نحو 5 تريليونات دولار خلال 18 شهرًا لمواجهة تداعيات جائحة كورونا.
«فخ الذكاء الاصطناعي».. اقتصاد رهينة سبع شركات
النتيجة المباشرة لعقود من السياسات النقدية التوسعية كانت اقتصادًا شديد التركّز. فاليوم، تشير التقديرات إلى أن نحو 50% من نمو الاقتصاد الأمريكي يأتي من إنفاق 7 شركات فقط على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تمثل هذه الشركات قرابة 40% من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية، رغم أن معظمها لا يملك مسارًا واضحًا للربحية خلال السنوات الخمس المقبلة، مع اعتمادها الكامل على استمرار تدفق رأس المال الرخيص، حيث خلق هذا الواقع خطرًا نظاميًا غير مسبوق، حيث أصبح الاقتصاد الأمريكي بأكمله رهينة لنجاح أو فشل عدد محدود من الشركات.

«مشروع مانهاتن الجديد».. الطباعة كخيار وحيد
هنا تبرز المعضلة الكبرى التي ستواجه رئيس الفيدرالي القادم. فثورة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى استثمارات بعشرات التريليونات من الدولارات في الطاقة، وشبكات الكهرباء، والبنية التحتية الرقمية، فيما يرى مراقبون أن تمويل هذا الحجم الهائل من الإنفاق لن يكون ممكنًا إلا عبر نموذج شبيه بما حدث في الحرب العالمية الثانية: تناغم كامل بين الخزانة الأمريكية والفيدرالي، وضبط منحنى العائد، وتمويل نقدي مباشر، فيما كان لافتًا إطلاق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على هذا التوجه اسم «مشروع مانهاتن الجديد للذكاء الاصطناعي»، في إشارة واضحة إلى أن التمويل سيكون عبر التوسع النقدي.
وهم الثروة.. ودروس اليابان وزيمبابوي
المسار المستقبلي، وفق هذا السيناريو، يبدو واضحًا. فاليوم يمتلك بنك اليابان نحو 50% من الدين الحكومي، ما قاد إلى عقود من الركود. ورغم أن الفيدرالي لا يمتلك سوى 10% من الدين الأمريكي حاليًا، إلا أن هذه النسبة قد ترتفع إلى 30% خلال 10 إلى 15 عامًا، ومن المتوقع أن تكون النتيجة المتوقعة تضخمًا هائلًا في الأرقام: أسواق أسهم عند قمم تاريخية، عملات مشفرة بمستويات فلكية، وملايين «المليونيرات» على الورق، ولكن في المقابل، ستتآكل القوة الشرائية للدولار، وقد تصبح فاتورة البقالة الأسبوعية 1000 دولار، كما يذكرنا التاريخ، لم تنقذ الأصفار الكثيرة على العملة زيمبابوي من الانهيار، رغم وجود تريليونيرات لم يستطيعوا شراء الخبز.
الخلاصة: معركة العملة لا يمكن كسبها بالطباعة
في المحصلة، لن يمتلك رئيس الاحتياطي الفيدرالي القادم رفاهية الاختيار. فالمهمة ستكون تمويل ثورة الذكاء الاصطناعي بأي ثمن لتجنب انهيار اقتصادي شامل، حتى لو كان الثمن تدمير العملة نفسها، فالقيمة الحقيقية، كما يثبت التاريخ، لا تُخلق بطباعة النقود، بل بالإنتاج والابتكار. ويبقى السؤال الأهم أمام المستثمرين والمجتمعات: كيف تحمي قوتك الشرائية في عالم قد يصبح فيه الجميع «مليونيرات» على الورق، بينما القليل فقط يحتفظ بثروة حقيقية؟