يعتمد هذا المقال على منهج تحليل الفاعلين بوصفه إطارًا لفهم تفاعلات الحرب الروسية–الأوكرانية بوصفها شبكة معقّدة من المصالح، لا صراعًا ثنائيًا. فالفاعلون هنا دول كبرى ومتوسطة، وتكتلات إقليمية، ومؤسسات طاقة واقتصاد، لكلٍ منها حساباته الخاصة، وقدرته على التأثير، وهوامش مناورة متفاوتة.
وتأسيسًا علي ذلك، فمن جهة أوروبا، تواجه لحظة انقسام بنيوي تباينات داخلية تُضعف الموقف الجماعي ففي مقابل تيار أوروبي رئيسي يرى في روسيا تهديدًا وجوديًا يستدعي استمرار العقوبات والدعم العسكري لكييف، برزت دول مثل المجر وسلوفاكيا بخيارات مغايرة، أقرب إلى الواقعية البراغماتية، تقوم على الحفاظ على قنوات اتصال وتعاون مع موسكو، خصوصًا في ملف الطاقة. هذه التباينات تُضعف القدرة الأوروبية على بلورة موقف موحد تجاه أي تسوية، وتفتح الباب أمام فاعلين خارجيين لإعادة هندسة التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، في ظل ضبابية الموقف الأمريكي إزاء الالتزامات الأوروبية.
إلي جانب ذلك تُظهر التحركات الأوروبية الأخيرة تصاعد إدراك التهديدات غير التقليدية المرتبطة بالحرب الروسية–الأوكرانية، ولا سيما في المجال البحري والبنية التحتية تحت سطح البحر. ففي هذا السياق، شكلت المملكة المتحدة والنرويج تحالفًا بحريًا غير مسبوق لتعقّب الغواصات الروسية في شمال الأطلسي، في ظل تزايد المخاوف من استهداف الكابلات البحرية وخطوط الطاقة التي تمثل شريانًا حيويًا للأمن الاقتصادي والرقمي الغربي. ويعكس هذا التعاون تحوّلًا أوروبيًا نحو تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، خاصة بعد رصد ارتفاع ملحوظ في النشاط البحري الروسي قرب المياه البريطانية، وما يحمله ذلك من تهديدات محتملة لتعطيل أنظمة الاتصالات والأسواق المالية في حال تعرّض البنية التحتية لهجمات مباشرة أو غير مباشرة.
في المقابل، تكشف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة عن فجوة متسعة في الرؤية عبر الأطلسي، إذ حولت إدارة الرئيس دونالد ترامب انتقاداته المتكررة لأوروبا إلى سياسة رسمية تشكّك في التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بأمن القارة. وقد أسهم هذا التوجّه في تعميق القلق الأوروبي، لكنه في الوقت ذاته عزّز نزعة داخل الاتحاد الأوروبي نحو تقوية التكامل العسكري والاقتصادي والسياسي، وتقليص الاعتماد البنيوي على واشنطن. ومع ذلك، يظل هذا المسار الأمريكي مرتبطًا إلى حدّ كبير بسياق إدارة ترامب، بما يعني أنه قابل للمراجعة أو التعديل مع تغيّر الإدارة، وإن كان قد رسخ واقعًا جديدًا يدفع أوروبا لإعادة التفكير في موقعها ودورها داخل منظومة الأمن الدول
وهو ما ينقلنا إلي الموقف الروسي الذي يشهد تقدماً ميدانيا وذلك بالنظر إلي السيطرة علي بوكروفسك وسيفيرسك ناهيك عن إعادة التموضع عبر التعددية والشراكات غير الغربية، وفي ها الاطار ، تنظر روسيا إلى الصراع باعتباره اختبارًا لإعادة تشكيل النظام الدولي. فإلى جانب التقدم الميداني النسبي، كثّفت موسكو من انخراطها في أطر متعددة الأطراف مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي ، مع تعميق شراكاتها مع قوى إقليمية وازنة مثل تركيا والهند، هذا المسار لا يهدف فقط إلى كسر العزلة الغربية، بل إلى بناء شرعية بديلة ترى في روسيا فاعلًا مركزيًا في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
فضلا عن التعاون مع تركيا من خلال ضمانها استمرار تدفّق الغاز الروسي إلى المجر في ضوء معادلة الطاقة ، ويأتي ذلك استنادًا إلى اتفاق طويل الأمد وقّعته بودابست عام 2021 لشراء 4.5 مليارات متر مكعب سنويًا من الغاز الروسي، قبل أن ترفع وارداتها لاحقًا إلى نحو 7.5 مليارات متر مكعب عبر شركة غازبروم وخط تورك ستريم. ويشير هذا التطور إلى استفادة تركيا من هامش المرونة الذي منحته واشنطن لبعض حلفائها في ملف الطاقة الروسية، ولا سيما في ظل إعفاء إدارة الرئيس دونالد ترامب المجر مؤقتًا من العقوبات المتعلقة باستخدام النفط والغاز الروسي
أما علي صعيد تحليل الموقف الأمريكي، فقد أصدرت استراتيجية أمن قومي جديدة برؤية تصادمية مع الحلفاء عكست تحوّلًا لافتًا في مقاربتها للصراع، إذ قدّمت نفسها كوسيط «متوازن» بين روسيا وأوروبا، لا كقائد لمعسكر واحد. هذا التحول تبرز في ضغوط مباشرة مارسها الرئيس دونالد ترامب على أوكرانيا وبعض القادة الأوروبيين لقبول خطة سلام أمريكية سابقة، تتضمن تنازلات إقليمية وتقييد حجم القوات الأوكرانية.
وقد بلغت التوترات ذروتها خلال مكالمة هاتفية انتقد فيها ترامب الرئيس فولوديمير زيلينسكي، متمسكًا بمقترح يحدّد سقف الجيش الأوكراني بنحو 800 ألف جندي، في حين رفضت كييف أي صيغة إدارة مشتركة لمحطة زابوريجيا النووية مع روسيا والولايات المتحدة.
وعلي جهة أوكرانيا، تُدرك أن أي تنازل إقليمي واسع يُقوّض الأساس الدستوري للدولة، ويضرب شرعية القيادة داخليًا. لذا تطرح كييف خيار تجميد خطوط المواجهة بدلًا من التخلي الرسمي عن الأراضي، مع السعي للحصول على ضمانات أمنية صلبة في مواجهة التخلي عن الانضمام إلى الناتو غير أن هذا الطرح يصطدم بإصرار موسكو على انسحاب أوكراني كامل من المناطق المتبقية في دونيتسك، ما يجعل ملف الأرض والضمانات الأمنية العقدة الأكثر اشتباكاً في مسار التفاوض.
ختاماً، تكشف قراءة الصراع بمنهج تحليل الفاعلين عن مشهد دولي شديد السيولة: أوروبا منقسمة، روسيا تعيد التموضع، الولايات المتحدة تعيد تعريف دورها القيادي، وأوكرانيا محاصَرة بين ضرورات الصمود وضغوط التسوية. في هذا السياق، لا يبدو السلام مستحيلًا، لكنه يظل رهينًا بقدرة الفاعلين على التوفيق بين حسابات القوة والشرعية، وبين منطق الصفقة ومنطق الاستدامة.