بعد إقصاء داميانوس.. تاريخ طويل من عزل رؤساء دير سانت كاترين منذ القرن الـ16
بينما يتابع المهتمون بالشأن الكنسي تطورات قرار عزل رئيس أساقفة جبل سيناء ورئيس دير سانت كاترين، المطران داميانوس، يطرح البعض سؤالًا: هل هذا هو أول قرار عزل في تاريخ هذا المنصب؟ الإجابة التاريخية الصريحة لا، فهذا المنصب يتمتع بتاريخ طويل من العزل والإقصاء منذ القرن السادس عشر.
في هذا التقرير توثيق لأبرز حالات العزل التي شهدها دير سانت كاترين، وبعضها جاء بعد تجاوزات خطيرة، وتدخلات كنسية من بطاركة الشرق والمجامع المقدسة.
1- مكاريوس (القرن السادس عشر): بداية سابقة العزل
يُعد مكاريوس، رئيس الأساقفة في منتصف القرن السادس عشر، أول من تم عزله.
استقر بشكل دائم في القاهرة، وتصرف بسلوك غير رهباني، وأهمل الدير، ما دفع آباء سيناء إلى تقديم شكاوى ضده لبطاركة القدس وأنطاكية والإسكندرية، وانتهى الأمر بعزله رسميًا بقرار من مجمع الدير.
2- لاڤرنديوس (عُزل عام ١٦٢٠): مخالفات طقسية وسرقة علنية
تم عزل لاڤرنديوس سنة ١٦٢٠ بعد سلسلة من الانتهاكات: تدشين كنيسة دون إذن بطريرك الإسكندرية ومخالفة قوانين كنسية والتسبب في خسائر مالية وسرقة ملابس كهنوتية وارتداء تاج ذهبي غير تقليدي، ورفضه خلعه أثناء تقديس القرابين، تم حرمانه أولًا من قبل بطاركة الشرق، وأدانه لاحقًا مجمع في القسطنطينية برئاسة البطريرك المسكوني تيموثاوس، ثم عُزل نهائيًا.
3- يواصاف (عُزل ديسمبر ١٦٤٦): نقض وعود كتابية ومخالفات متكررة
وعد رئيس الأساقفة يواصاف خطيًا بالتخلي عن مطالباته غير القانونية بحقوق بطريرك الإسكندرية، ثم نقض الوعد، ورغم التحذيرات استمر في التجاوزات، فعزله بطريرك القسطنطينية يوانكيوس، وشاركه في الحرمان بطريرك أنطاكية أفثيميوس، بالإضافة إلى حرمان “المشاركين في مخالفاته”.
4- حنانيا (جُرِّد مرتين: ١٦٧٠ و١٦٩١): طموح سلطوي واستقواء بالسلطة العثمانية
أخطر القضايا كانت مع حنانيا، الذي ادعى الاستقلال الذاتي (Autocephaly) واستخدم ألقابًا بطريركية، مثل: “صاحب القداسة” و”الكلي الطوبي" ورفض ذكر اسم بطريرك أورشليم في القداسات واستحوذ على أموال الدير، وتصرف باستبداد واستعان بالسلطات التركية ضد البطاركة الشرقيين.
وتم تجريده من الأسقفية مرتين، وحرمانه بقرار من مجمع مسكوني عام ١٦٩١، مع حرمان عدد من الكهنة والعلمانيين المتواطئين معه ولاحقًا، أُعيد اللقب لرئيس الدير يوانكيوس عام ١٦٩٦.
5- كيرلّس (عُزل نهائيًا في ١٨٦٧): استبداد واختلاس
رئيس الأساقفة كيرلّس تم عزله أخويًا أولًا في ٦ يوليو ١٨٦٦، ثم عزله مجمع أورشليم رسميًا في ٢٤ أغسطس ١٨٦٧.
تجاوزاته شملت: اختلاس ١٧٥ ألف روبل وسرق أواني وملابس كنسية بالإضافة إلى عدم إقامته في الدير وعنفه تجاه الرهبان
أُدين بقرار من البطريرك كيرلس الثاني بعد تغيبه عن 3 استدعاءات رسمية. وانتُخب خلفه الأرشمندريت كيرلس روكيذيس (كاليستراتوس).
6- داميانوس (٢٠٢٥): العزل الأخير.. والجدل الحالي
بعد سلسلة طويلة من المشكلات الإدارية والروحية، و”الاعتماد المفرط على قوى علمانية”، بحسب بيان أخوية دير سانت كاترين، جاء القرار الأخير بعزل رئيس الأساقفة داميانوس.
رغم تكتم الأخوية لسنوات طويلة حفاظًا على مكانته وسمعته، إلا أن الأمور بلغت حدًا تطلب تدخلًا مباشرًا من الكنيسة الأم.
وفي ظل التكنولوجيا والسوشيال ميديا وغضب العالم من تلك الاحداث ففي رسالة صارمة من بطريرك القدس
أرسل البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك المدينة المقدسة أورشليم، رسالة واضحة إلى المطران داميانوس، تضمنت: اتهام مباشر بالتقصير في إدارة الدير والدعوة إلى جلسة استثنائية للمجمع المقدس في أورشليم يوم الاثنين ٨ سبتمبر ٢٠٢٥ وأمر فوري بفتح أبواب الدير وعودة جميع الأشخاص المطرودين “ظلمًا” ومنع تدخل الغرباء في شؤون الدير
ليس انقلابًا… بل تصحيح لمسار
ردًا على من وصفوا العزل بـ”الانقلاب”، جاء الرد ان الأخوية الرهبان بالدير بأنهم “يجهلون تقاليد الدير أو يخدمون مصالح غربية”، مؤكدين أن القرار نابع من حرص على قدسية المكان، وكرامة الرهبنة، والحياة الروحية.
والتاريخ، كما رأينا، يشهد أن العزل الكنسي في سيناء له سوابق متعددة حينما يتعذر الإصلاح، وتُهدد الرسالة الروحية للدير.
