رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ مركز باستيت: فشل المحاولة الانقلابية في دولة بنين

أرشيفية
أرشيفية

عاشت الساحة والمدن في دولة بنين الغرب أفريقية ساعات مقلقة وحالة عصيبة يوم الأحد 7 ديسمبر 2025، بدت الأوضاع خلالها وكأن هذه الدولة على وشك الانزلاق إلى دوامة الانقلابات العسكرية التي تجتاح دول غرب أفريقيا في السنوات الأخيرة. حيث أعلنت مجموعة من الجنود على شاشة التلفزيون الحكومي أنها قد عزَلت الرئيس باتريس تالون وعلقت العمل بدستور البلاد وأغلقت الحدود البرية والجوية، وسيطرت على الإعلام.

فقد لجأت المجموعة إلى الخطوة التقليدية في الانقلابات، وهي السيطرة على الإعلام. ففي مقر هيئة البث الوطني، أجبروا الفنيين على بث رسالة مسجَّلة أعلن فيها المقدم باسكال تيغري تشكيل "اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس" وتعليق الدستور. لكن البث لم يستمر سوى 20 دقيقة قبل أن تقطع السلطات الإشارة وتستعيد المبنى.

الاهتمام الإقليمي والدولي: لماذا؟
تابع العالم والمواطنون في بنين، خاصة من الدول الأفريقية المجاورة، هذا الحدث باهتمام كبير. خصوصًا أن محاولة الانقلاب في بنين تأتي في سياق إقليمي متوتر، حيث شهدت مالي والنيجر وبوركينا فاسو انقلابات متتالية أطاحت بالحكومات المدنية وأقامت أنظمة عسكرية تبرر تدخلها بفشل الحكومات في مواجهة التهديدات الأمنية. وتجدر الإشارة إلى أنّ دولة بنين تعتبر الوحيدة في المنطقة التي لم تشهد انقلابًا ناجحًا منذ عام 1972، ولذلك كانت تُعدّ حتى وقت قريب إحدى الديمقراطيات المستقرة في المنطقة. مما جعل هذه المحاولة حدثًا صادمًا للداخل والخارج، لا سيما أن الأوساط الداخلية والشارع والرأي العام المحلي في بنين لم يكن يرحب بمثل تلك الخطوة في هذا التوقيت، الذي كانت البلاد تتهيأ فيه لاستحقاقات رئاسية خلال فترة قصيرة مقبلة.

الاهتمام الدولي والقلق من التنظيمات الإرهابية

وإذا كانت الدوافع والمبررات للتدخل في جهود إفشال المحاولة الانقلابية معلنةً في الإبقاء والمحافظة على مسيرة النظام الديمقراطي والوضع الدستوري هناك، فإن هاجس الأمن واختراق الجماعات الإرهابية المتشددة كان من الأسباب المبطنة وراء الاهتمام الدولي المتزايد بموضوع المحاولة الانقلابية في دولة بنين. إذ تُعد بنين دولة عازلة مهمة أمام تمدد الجماعات الجهادية من الساحل.

عمليات الانقلاب وكيف بدأت
كان الهجوم منظمًا واستهدف البنية الأمنية للدولة، وقاده المقدم باسكال تيغري، في حين لا يزال مصير جنرالين بارزين اختطفهما مجهولاً. تشير التقارير إلى أنّ العملية الانقلابية بدأت ساعة الصفر لها قبل الفجر بهجوم على منزل الجنرال بيرتين بادا في أبومي كالافي. نجا بادا، مدير مكتب تالون العسكري، لكن زوجته قُتلت وابنته أصيبت بجروح. وفي الوقت نفسه، اختُطف رئيس الأركان الجنرال أبو عيسى مع ضابط آخر لم يُكشف عن هويته.

حاول المتمردون اقتحام مقر إقامة الرئيس في كوتونو، العاصمة الاقتصادية، لكنّ الحرس الجمهوري صدّ الهجوم بعد اشتباكات عنيفة، مانعًا وصولهم إلى القصر. لم تمر سوى ست ساعات بعد إذاعة البيان الأول للمجموعة العسكرية الانقلابية حتى سارعت السلطات إلى تأكيد إحباط الانقلاب، معلنة أن الوضع "تحت السيطرة" بحلول فترة ما بعد الظهر، حسب تصريح لوزيرة الداخلية. أعاد هذا التصريح الهدوء للرأي العام المحلي في مختلف أرجاء المدن والقرى في الدولة. بعدها وجَّه الرئيس البنيني باتريس تالون خطابًا إلى الأمة عبر التلفزيون الحكومي بعد فشل الانقلاب، وتم نشر جنود يحرسون هيئة الإذاعة والتلفزيون في بنين بعد أن أحبطت القوات المسلحة المحاولة، وتم تأمين مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون الذي أذاع منه الانقلابيون بيان استلام السلطة.

التدخل الخارجي لإفشال الانقلاب
لم تكن العناصر التي تزعمت المحاولة الانقلابية من كبار الضباط العسكريين، وهذه ملحوظة فنية مهمة كان لها دورها على واقع العملية ومصيرها. فأصحاب المراتب العليا من القادة في السلك العسكري لا يزالون يحافظون على الولاء للقيادة السياسية في البلاد، علاوة على ذلك هناك حالة من التلاحم في صفوف هؤلاء القادة للتنسيق العملياتي لمواجهة الانقلاب. وهذا يتضح في موقف رئيس الأركان للجيش في بنين، فقد رأينا فيه القيادة عن بُعد والإنذار الفرنسي. كما لعب الحرس الجمهوري بقيادة العقيد دجيمون ديدوني تيفويدجري دورًا حاسمًا في إفشال الانقلاب، في حين نسّق رئيس الأركان الجنرال فروكتو غباغيدي العمليات عن بُعد من باريس، حيث كان في مهمة رسمية. وقد أشارت تقارير خاصة إلى الدور المحوري الذي قام به رئيس الأركان الجنرال غباغيدي، الذي كان حاسمًا وظل على اتصال دائم بالرئيس تالون ووزير المالية روموالد واداغني، مرشح الحزب الحاكم للانتخابات المقبلة.

الدور الفرنسي والنيجيري في إفشال الانقلاب
تدخلت فرنسا بشكل قوي في جهود إفشال المحاولة الانقلابية في بنين لأن الرئيس تالون يعتبر الحليف الاستراتيجي القوي لفرنسا. وعلى هذا الأساس تحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكل سرعة، وكان يتلقى تقارير مستمرة، في حين وُضعت القوات الخاصة الفرنسية في حالة تأهب لحماية المصالح الدبلوماسية الفرنسية في تلك البلد.

وتدخلت قوات من سلاح الجو النيجيري بأمر مباشر من رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو، حيث وجّهت طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية النيجيرية بدخول بنين والسيطرة على المجال الجوي. الأمر الذي ساعد في إخراج عناصر الانقلابيين من التلفزيون الوطني ومقرات الجيش التي يتحصنون فيها. كما ساهمت فرنسا عبر دعم مخابراتي ولوجستي بالتنسيق مع نيجيريا. وقد كان التنسيق على مستوى عالٍ بين القادة الأفارقة والرئيس إيمانويل ماكرون ورؤساء بنين ونيجيريا وسيراليون. وقد وجد الرئيس النيجيري دعمًا ومساندة المؤسسات التشريعية، حيث وافق مجلس الشيوخ النيجيري على نشر قوات عسكرية في بنين التي تتقاسم معها نيجيريا حدودًا طولها 700 كيلومتر.

تفاعل دول الساحل الأفريقية
حمل البيان الأول للحركة الانقلابية نبرة وإشارات غير مريحة للدول والقوى الإقليمية. فخطاب زعيم الحركة أثار قلقًا ومخاوف دول الجوار، إذ برر تيغري تحركه بتدهور الأمن وظلم الترقيات العسكرية، وهي نفس المبررات التي استخدمتها الأنظمة العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وهذا ما يفسر ترحيب ناشطين مرتبطين بـ"تحالف دول الساحل" بالمحاولة الانقلابية، ومن بينهم كيمي سيبا الذي نشر مقطعًا يحتفل بما وصفه بسقوط "عشيرة المفترسين الاقتصاديين" المحيطة بتالون.

شخصية زعيم الحركة الانقلابية
المؤشرات العامة عن قائد الحركة الانقلابية في دولة بنين تفيد بعدم وجود الصلابة العسكرية والحزم في حسم الأمور، وهو عامل آخر يؤخذ في الحسبان في تحليل مآلات الأمور وحالة التراجع للحركة. حيث أفادت تقارير أنّ شخصية تيغري شخصية مربكة لزملائه السابقين، إذ وصفه أحد الضباط بأنه "جندي هادئ ومهذب، يكاد يكون متحفظًا"، حتى إن بعض العسكريين يشككون في أن يكون ضمن المجموعة، "فإذا كان حقًا وراء هذه المناورة، فهو مُستَغَل".

تداعيات داخلية في المؤسسة العسكرية والسياسية
على الرغم من مرور أيام على المحاولة الانقلابية واستعادة الرئيس باتريس للسلطة وعودة الهدوء إلى شوارع كوتونو، لا تزال عمليات الملاحقة للمتمردين الفارين مستمرة. وتتكشف شيئًا فشيئًا حجم الدمار الفعلي الذي أحدثته تلك العمليات. والأمر الأكثر إثارةً كشف عن حالة تصدعات عميقة داخل المؤسسة العسكرية. تلك التصدعات تعكس صراعًا داخليًا حول الولاءات والترقيات وتوزيع النفوذ داخل الجيش، وهو ما قد يهدد استقرار واحدة من آخر الديمقراطيات القائمة في المنطقة.

ولعل من أبرز الاستنتاجات المستخلصة من تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة وما أسفرت عنه من تداعيات على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، أن هذا الانقلاب الفاشل ليس مجرد حادثة معزولة، بل مؤشر على هشاشة البنية الأمنية والسياسية في تلك الدولة وتقاطعاتها مع الطموحات العسكرية والأزمات الأمنية والاقتصادية. لأن الرسالة التي بعثوا بها واضحة: حتى الدول التي تبدو مستقرة ليست بمنأى عن عدوى الانقلابات.

توتر دبلوماسي بين الجارتين بنين وتوغو
من تداعيات حادث المحاولة الانقلابية الفاشلة في دولة بنين نشوء توتر دبلوماسي بين الجارتين بنين وتوغو، على خلفية اتهام الأولى لتوغو بالوقوف وراء تلك المحاولة الفاشلة للانقلاب على نظام الحكم فيها، وإيواء العناصر المتورطة فيها على أراضيها. وفي تهديد واضح، قالت حكومة بنين إن توغو إذا لم تسلم قادة المحاولة الانقلابية الذين فروا إليها فسيُعتبر ذلك دليلاً على تورط البلاد في هذه المحاولة.

وتقول رواية السلطات في بنين إن أربعة من قادة المحاولة الانقلابية، بمن فيهم العقيد تيغري باسكال، فروا إلى لومي، وأن تيغري باسكال نفسه تلقى يوم المحاولة اتصالاً من رقم هاتف توغولي، ما اعتبرته السلطات دليلاً على احتمال تورط توغو في الانقلاب. وذكرت تقارير إعلامية أن قادة المحاولة الانقلابية طلبوا بالفعل اللجوء في توغو.

ورغم تزايد الاتهامات والتصريحات الصادرة عن مسؤولين في بنين بهذا الخصوص، التزمت توغو الصمت، فلم يصدر أي تعليق رسمي من الرئاسة التوغولية أو وزارة الخارجية. لكن متابعين للشأن الأفريقي يستبعدون أن تقدم توغو على تسليم قادة الانقلاب للحكومة في بنين، وهذا الأمر من شأنه أن يفضي لتطورات سلبية تأذن ببداية فعلية لأزمة دبلوماسية بين البلدين، والتي ستكون لها تداعيات على منطقة غرب القارة الأفريقية. والأخطر في الأمر أنّ أي توتر بين توغو وبنين ستكون له تداعيات كبيرة على شعبي البلدين، اللذين تنشط حركة كبيرة للتجارة وتنقل الأشخاص والبضائع على حدود البلدين الجارين. ومن المتوقع لهذا التوتر الدبلوماسي أن يقود إلى إغلاق الحدود وتشديد الإجراءات الأمنية، وهذا ستكون له تداعيات اقتصادية كبيرة على شعبي البلدين. ومن المحتمل أن تنهض المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لبذل كل ما بوسعها لاحتواء الأزمة، باعتبار أي تصعيد بين توغو وبنين تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء