في ذكرى وفاته.. كيف أسس جورج واشنطن الولايات المتحدة الأمريكية؟
في مثل هذا اليوم 14 ديسمبر 1799، رحل جورج واشنطن، أول رئيس للولايات المتحدة، تاركا خلفه إرثا كبيرا من الإنجازات والعمل السياسي، إذ لم يكتفِ بقيادة حرب الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني فقط، بل وضع اللبنات الأولى لدولة اتحادية حديثة، وابتكر تقاليد سياسية لا تزال حاضرة حتى اليوم.
بعد سنوات من القتال، قاد واشنطن المستعمرات الثلاث عشرة إلى الاستقلال، ثم فاجأ معاصريه عندما تخلى عن قيادة الجيش عام 1783 وعاد إلى مزرعته في مونت فيرنون، في موقف استلهم فيه نموذج القائد الروماني سينسيناتوس الذي آثر الحياة الخاصة بعد النصر، رافضًا إغراء السلطة الدائمة.
ورغم اعتزاله الظاهري، ظل واشنطن فاعلًا في المشهد السياسي، فدعم جهود ألكسندر هاملتون وجيمس ماديسون لإصلاح النظام الفيدرالي، وفي عام 1787، ترأس المؤتمر الدستوري الذي أقرّ الدستور الأمريكي، موسّعًا صلاحيات الحكومة الاتحادية ومؤسسًا لمنصب الرئاسة.

قائد وطني جامح
ابتعاد واشنطن عن التحزّب، وسمعته كقائد وطني جامع، جعلاه الخيار الطبيعي لرئاسة الجمهورية الوليدة، ففي عام 1789 انتُخب بالإجماع كأول رئيس للولايات المتحدة، وأدى اليمين الدستورية في نيويورك، فيما تولّى جون آدامز منصب نائب الرئيس.
ووضع جورج واشنطن دستورا واضحا لإدارة السلطة التنفيذية، وكان عليه والكونجرس ترجمة النصوص إلى ممارسة يومية؛ ومن هنا أسس أول حكومة اتحادية، وجمع في فريقه شخصيات متباينة الرؤى، أبرزهم هاملتون وجيفرسون، واضعًا بذلك تقليد مجلس الوزراء، واعتمد الحوار المنتظم لإدارة الخلافات.
ولد واشنطن لعائلة من الطبقة المتوسطة عام 1732، لوالد يملك مزارع وأراضي في نطاق المستعمرة، غير أن الأب توفى وكان جورج لا يزال صبياً في عمر الـ 11، ويعتقد أنه تحمل بعض المسؤوليات من سن صغيرة كمساعدة والدته على إدارة المزرعة التي آلت إليهما من تركة الوالد.

بناء الدولة والاقتصاد
شهدت رئاسته صراعًا فكريًا بين رؤيتين، الأولى لهاملتون، المؤيد لحكومة مركزية قوية واقتصاد صناعي، والثانية لجيفرسون، الداعية إلى سلطة محدودة واقتصاد زراعي، وبرعاية واشنطن، أُقرّ نظام مالي وطني شمل تسديد ديون الولايات وإنشاء بنك وطني، في خطوة عززت مكانة الحكومة الاتحادية.
وفي تسوية سياسية بارزة، جرى الاتفاق على نقل العاصمة إلى ضفاف نهر بوتوماك، ليختار واشنطن موقعها بنفسه، وتولد لاحقًا مدينة واشنطن العاصمة.
حياد خارجي ووداع تاريخي
خلال ولايته الثانية، واجهت الولايات المتحدة تحديات خارجية كبرى مع اندلاع الحرب بين فرنسا وبريطانيا، وأصر واشنطن على سياسة الحياد، معلنًا ذلك رسميًا عام 1793، رغم الجدل والانقسام الداخلي، ودعم معاهدة مع بريطانيا عام 1794 لتحسين العلاقات، رغم المعارضة الواسعة لها.
ومع تصاعد الاستقطاب السياسي، رفض واشنطن الترشح لولاية ثالثة، ونشر في عام 1796 خطاب وداعه الشهير، محذرًا من مخاطر الانقسامات الحزبية والتدخلات الأجنبية، داعيًا إلى الوحدة الوطنية.

المرض ووفاة جورج واشنطن
عاد واشنطن إلى منزله الريفي في نهاية فترته الرئاسية الثانية، وتوفى بعد سنوات قليلة، في 14 ديسمبر 1799، بعد أن أمضى يومًا ممطرًا على ظهر جواده، ومع ذلك، ما تزال ذكراه حاضرة، من خلال منزله المفتوح حتى اليوم أمام الزوار، وعبر صورته الأيقونية على العملة الأمريكية فئة دولار واحد، فضلاً عن ذكرى تاريخية لمشواره غير الاعتيادي بين السياسة والقتال والحياة الريفية.
