كل المحاضرات أو الكتب التي قرأتها عن حروب الجيل الرابع والخامس والسادس تلك القادمة في الأفق لم تكن أهدافها أبدا انقضاضا عسكريا بالمعني المعروف أو تراشقات سياسية ظاهرة، فحروب الجيل الخامس تسبقها بسنوات خطط مرسومة تستهدف الأخضر واليابس داخليا دون رصاصة واحدة.
المعلومة والعلم السلاح الأخطر في تلك الحروب الضروس التي أوقعت أعتي الدول دون أن تكلف أعدائها خسائر مادية ولا بشرية، الاستهداف يبدأ بجمع كم هائل من المعلومات التي يتم تحليلها واستخراج الثغرات ونقاط الضعف والقوة والغرور، والتوغل داخل طبقات المجتمع لدارسة بؤر الحقد أو النقص أو الأنانية بين الطبقات والوظائف والفئات هدفها المواطن عقله ووجدانه وعقائده وكيفية نسف انتمائه وبعد أن يكتمل الملف تبدأ الدول المعادية في حرب ضروس من كافة الاتجاهات من الداخل بنشر الشائعات وتشويه الحقائق، وقلب ما هو صحيح و"تزويق" ما هو خاطئ وتقوية وتسفيه كل ما هو جاد، وضرب القيم والأخلاق وتغيير الهوية الثقافية واللغوية وتحويل الأجيال إلى "مسخ" يميل إلى كل ما هو "تافه" بعيد عن الدين والأخلاق تمهيدا للغزو، وتسهيلا لإشعال الفتن والأحقاد وكسر القوي الناعمة التي تمثل حائط صد ومتنفس لو علمتم عظيم ليصبح المجتمع دوما علي صفيح ساخن لا يهدأ أبدا ليبدأ رويدا رويدا في تصديق الكذب وتشويه نفسه بنفسه والدخول في حاله من الضبابية يليها الإحباط وتكذيب كل شيء ومعاداة نفسة ليشرع في تدمير ذاته تلقائيا لتكون الأرض مفروشة وجاهزة وقتها للتدخل العسكري.
من يظن أن البعد القومي هو حدود الدول. فقط فهو مخطئ البعد القومي أولويته استقرار المجتمع وحروب الأجيال الرابعة والخامسة تعمد إلي ضرب جذور البعد القومي للدول وتلك الحروب لا ينجو منها سوي الدول الواعية لأهمية التكاتف الحقيقي الذي يئد الوقائع المثيرة للفتن والمشجعة للفتك بحالة التماسك الاجتماعي بين كافة الطبقات والوظائف، وهي وقائع أقل ما يقال فيها أنها مربكة ومخلخلة للنسيج الاجتماعي، خاصة في تلك الأوقات العصيبة أو التوترات التي يمر بها الوطن الذي يتربص له أعداؤه والحاقدين عليه، فلعنة الله على الفتنة ومن أيقظها.
الدول الناجية هي التي تبتعد عن حدوث فجوة أو غصة بين الفئات في المجتمع أو الفئات المدنية ما دامت لم توصف بالإرهابية أو لها أغراض تخريبيه والمؤسسات فهل يتشاجر الجسد مع بعضه فإن تشاجر أو نبذ بعضه فلن يخسر عضو بل سيخسر الجسد شيء ما وسينخر سوس خراب الفتن منها متشعبا للبقية.
الدولة الواعية تعي أن كل مواطنوها متكاملون يبرز دور كل منهم في محله فيتصدى الوطن للكثير وأولها معارك الوعي الكثيرة يمر منها شامخا دون جراح في قلب مجتمعه، وهو أهم شيء لولا أن كان لكل فرد دوره وفكره ما استطاع الوطن أن ينجو من كل المنعطفات التي مر بها.
معركة الوعي الحقيقة تكمن في التكامل والشفافية والموضوعية وتداول المعلومات واحترام كل الفئات المدنية في المعاملات ما دامت غير مخربة أو مدانة بالإرهاب وان اختلفت والتعامل بالقانون أحيانا وروحه في أحايين كثيرة ما دامت غير إرهابية وغير مخربة، وإعطاء مساحة للنقد البناء داخل البيت الواحد فلا يوجد علي وجه المعمورة حكومة كاملة، فأكبر الدول تتعرض للنقد، فالنقد مظهر صحي، ويزيل الإحباط من الشارع، ومرة أخرى متنفس لو تعلمون عظيم جدا للمواطن الذي يدرك أن صوته مسموع، وأن الحكومة لا تسمع نفسها فيزيد من احترامها.
الإعلام والصحف والسوشيال ميديا ضمن ثلاثة أشياء مهمة من القوي الناعمة التي تشارك في معركة الوعي وينظر لها أي مستثمر قادم لأية دوله فإن رأي إعلامها ناقدا بناء يكتب ما له وما عليه استثمر ماله وهو مرتاح البال، فيزداد الانتعاش الاقتصادي وبالتبعية الانتعاش السياسي وسينعكس هذا علي حياة المواطن.
معركة الوعي تحتاج إلي توعية يومية وحقيقية للمواطن، لأنه المستهدف الأول حتي لا تنتقل منه حرب شائعات لا ترحم، ولأنه أدوات الدولة التي تحارب بها في معركتها الشرسة التي لا يجب عليها خسارتها أبدا.
أخيرا الرئيس دعا لكل هذا في أكثر من تصريح صراحة أو من بين السطور، وتصريحات رئيس الوزراء الأخيرة تبث طمأنينة كبيرة وتفاؤل.