رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظة مُشبعة بالتوترات السياسية والإعلامية، ظهر الفيديو المسرّب للرئيس السوري السابق بشار الأسد، ليعيد تشكيل خريطة النقاش في المنطقة، لم يكن الفيديو مجرد لقطات جانبية أو حوار عابر، بل كان حدثًا يعيد فتح ملف شخصية سياسية كانت محورًا لصراعات إقليمية ودولية استمرت أكثر من عقد، ولأن الإعلام لم يعد وسيطًا محايدًا، فقد تحوّل التسريب إلى ساحة جديدة لحرب السرديات؛ حرب لا تُخاض بالسلاح، بل بالاختيارات التحريرية وترتيب اللقطات والإطار الذي تُقدَّم من خلاله الحقيقة.

قدّم الفيديو باعتباره كشفًا استثنائيًا، إما لوجه الأسد الحقيقي أو لما كان يدور وراء الكواليس خلال سنوات الحرب ، من تعليقات الأسد الساخرة، حديثه عن وضع السوريين، لفتاته تجاه حزب الله، وطريقة تعامله مع محيطه القريب، رسمت صورة لرجل خرج عن الخطاب الرسمي الذي اعتاد عليه الجمهور، وبقدر ما أثارت اللقطات صدمة لدى بعض المتابعين، فإنها أعادت إحياء سؤال أكبر: هل كانت الصورة التي عرفها العالم عبر الإعلام الرسمي السوري حقيقية أصلًا، أم كانت مجرد بناء خطابي تمثيلي؟

الانتشار الواسع للفيديو داخل السوشيال ميديا خلق فضاءً جديدًا للصراع ، فبين من احتفى بالتسريب باعتباره دليلًا على سقوط أخلاقي وسياسي، أو دفعة لمن يريد كسر هالة "الزعيم" التي بُنيت لعقود عبر الإعلام الرسمي ، وهناك من اعتبره صناعة إعلامية مقصودة لتصفية حسابات إقليمية، فتحوّل الجمهور إلى طرف في صناعة الخطاب نفسه، لا مجرد متلقٍ له، "التعليقات، المقاطع المقتطعة، السخرية،والتأويلات السياسية"، كلها ساهمت في تشكيل روايات متعددة ومتضاربة حول "المشهد الواحد"، وهو ما يكشف حجم الأزمة في الزمن الرقمي: لم تعد الحقيقة واحدة، بل أصبحت طبقات من السرديات المتصارعة.

كما يشكل توقيت النشر اهمية كبيرة، ففي لحظة يعاد فيها رسم مستقبل سوريا بعد سقوط النظام، وفي ظل مساعٍ لإعادة ترتيب النفوذ الإيراني والروسي على الأراضي السورية، يصبح تسريب كهذا أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى سبق إعلامي. الواضح أن ظهور الأسد بهذه الصورة يخدم بوضوح من يسعون إلى قطع الطريق على أي محاولة لإعادة تدوير النظام أو إعادة إنتاج رموزه، فاللقطات التي تحمل سخرية من حزب الله مثلًا ليست مجرد لحظة انفعال، بل مادة تُستخدم سياسيًا لإبراز هشاشة التحالف السوري–اللبناني الذي طالما بُني على خطاب الصلابة ووحدة المصير.

كما أن وجود الفيديو على منصات إعلامية عربية كبرى يضيف طبقة أخرى من المعنى، والنشر بهذا الشكل وبهذه الزاوية يأتي في ظل لحظة إقليمية تتسم بإعادة توزيع الأوراق بين السعودية وإيران، وإعادة تعريف المصالح في سوريا بعد نهاية مرحلة الأسد،  وبالنظر إلى التوترات المتداخلة بين الأطراف الإقليمية، يمكن قراءة التسريب باعتباره خطوة في عملية "تهيئة الرأي العام" لقبول تسوية سياسية مختلفة، أو فتح الباب أمام نظام بديل، أو حتى إعادة هندسة النفوذ داخل سوريا.

وإليكم قراءة تحليلية للخطاب والصورة:
 

أولًا: البنية اللغوية للخطاب
 

لغة الأسد في الفيديو تنتمي إلى ما يسمى “الخطاب المرتجل غير الرسمي”، وهو خطاب نادر الظهور في السياقات السياسية. ميزاته:جُمل قصيرة، غير مكتملة، تتخللها ضحكات أو تهكم ، لغة عامية تُسقِط الحاجز بين الرئيس والحاشية،واستخدام ساخر للضمير الجمعي “هني”، “الناس”، “هو”، مما يُظهر مسافة شعورية بينه وبين الشعب ،فهذا النوع من اللغة يكشف أن الأسد لا يشعر بأنه داخل مقام رسمي، بل يتحدث كفرد يملك السلطة المطلقة إلى حد يسمح له بالسخرية من الآخرين.

 

ثانيًا: خطاب السلطة والتراتبية
 

تظهر التراتبية بوضوح من خلال ، (الطريقة التي يتحدث بها الأسد دون انتظار رد ، ردود الفعل المبالغ فيها من المحيطين به (الابتسامات، العبارات المؤيدة، الاستماع الخاضع) ، المشهد الأكثر دلالة: تقبيل يد الأسد من قِبل أحد القادة العسكريين ، وقد تندرج هذه الإيماءات تحت “طقوس الهيمنة السياسية”، حيث تتحول السلطة من مفهوم سياسي إلى جسد يُعبَّر عنه طقوسيًا.
فالفيديو إذًا لا يكشف فقط خطابًا لغويًا، بل خطابًا جسديًا يرسخ التراتب.

 

ثالثًا: خطاب السخرية كأداة سياسية
 

السخرية التي استخدمها الأسد ليست مجرد انطباع شخصي، بل أداة سياسية تكشف علاقة النظام بالشعب.
السخرية من معاناة السوريين (عدم توفر احتياجاتهم) تُعيد إنتاج سردية مفادها:
“الشعب مسؤول عن أزماته لأنه لا يعرف أولوياته.”
هذه السخرية هي جزء من خطاب سلطوي دفاعي يبرر الفشل عبر إلقاء اللوم على المواطنين.


رابعًا: خطاب المعسكرات (نحن vs هم)
الخطاب يخلق تقسيمًا داخليًا واضحًا: “نحن” السلطة، العسكريون، دائرة الثقة ، وهم” الشعب، الحلفاء، وحتى بعض الأطراف المحسوبة على النظام ، هذا التقسيم يعكس خطابًا يُعرف في دراسات السلطة بأنه خطاب “الذات المهدّدة”، حيث يحاول النظام تبرير القسوة أو التحكم بأنه يقف في مواجهة شعب "غير منضبط".


خامسًا: خطاب العلاقة مع الحلفاء (حزب الله، إيران)
أي تعليق ساخر تجاه حليف استراتيجي مثل حزب الله يكشف هشاشة غير مُعلنة في علاقة طالما صُوّرت إعلاميًا كعلاقة مصير واحد ، هذا النوع من اللغة يكشف "الصراع البارد" تحالف عسكري قوي، لكن علاقة شخصية متوترة.


سادسًا: السياق التاريخي ـ الخطاب كنافذة على سنوات حكم كاملة
 

الفيديو لا يعكس لحظة غضب بل بنية حكم كاملة اتسمت بـ:"السلطة المغلقة على نفسها، انفصال الطبقة الحاكمة عن الواقع ،إنتاج خطاب رسمي ناعم وهادئ يُخفي خطابًا داخليًا ساخرًا وعنيفًا.
بالتالي، الخطاب المسرب يصبح شاهدًا لا على شخص الأسد، بل على نموذج السلطة السورية خلال العقدين الماضيين.


سابعًا: خطاب الصورة ـ اللقطة كرسالة سياسية
 

اختيار القطات التي تُظهر السخرية، التهكم، وحركة يد الأسد، يخلق خطابًا بصريًا مكملًا للخطاب اللغوي ، حيث تم التركيز على لغة الجسد التي تُظهر ثقة مطلقة ، تم إبراز الاستسلام الرمزي من الآخرين، وتم تأطير الأسد كشخص "يعرف ما لا يقوله عادة"، هكذا يصبح الخطاب المرئي أكثر تأثيرًا من الخطاب المنطوق نفسه.


ثامنًا: الخطاب المضاد على السوشيال ميديا
خطاب التأويل الشعبي قسم الفيديو إلى 4 سرديات:
1. خطاب الإدانة: “هذا هو الأسد الحقيقي.”
2. خطاب التشكيك: “التسريب مفبرك أو مقطوع.”
3. خطاب التسييس: “السعودية تبعث رسالة لإيران.”
4. خطاب السخرية: تحويل الفيديو إلى مادة ميمز.

هذا يدل على أن الخطاب السياسي لم يعد يُنتج من السلطة فقط، بل من الجمهور أيضًا ، ويشير إلى أن فيديو الأسد ليس وثيقة سياسية فحسب؛ إنه نص لغوي وبصري يكشف طبقات السلطة، العلاقات، التراتبية، التهكم، والازدواجية بين الخطاب الرسمي والخطاب الداخلي ، ويفضح التلاعب بالسرديات الاعلامية لتحقيق مصالح سياسية ، ويبقى السؤال هل هذا الطرح الإعلامي يعكس رغبة إقليمية في “إخراج الأسد من التاريخ السياسي”؟.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء