كتبت سابقا عن الانغماس في السطحية والانجذاب إلى التفاهة التي تصنعها بعض فيديوهات السوشيال ميديا وكيف تؤدي هذه الظاهرة إلى اعتياد القبح وتشويه الذوق العام .
اليوم أكتب عن مشهد معاكس تماما عن شعاع نور يعيد التوازن عن عملة جيدة تطرد العملة الرديئة عن برنامَج أعاد إلينا ما كدنا نفتقده من الجمال
برنامَج "دولة التلاوة" ليس مجرد مسابقة ولا مجرد استعراض لأصوات شابة بل هو مشروع وطني لإحياء فن عريق وبناء جيل جديد مليء بالموهبة والطاقة والإبداع ومحاولة لترميم ما تهدم من وجدانا ووجدان شبابنا.
عندما نتحدث عن الفن لا ينبغي أن ينحصر الذهن في الأغاني والمسلسلات واللوحات فحسب، الفن يتسع معناه ودلالته وأثره فكل تفاصيل الحياة تحتاج فنا لتكتمل صورتها الجمالية فن الحديث فن الصمت فن التعامل فن تربية الأبناء فن المأكل والملبس وغيره الكثير وكل الفنون على اختلاف أشكالها تحتاج إلى موهبة ودراسة وتدريب حتى تبلغ هذا المستوى من الرقي، وتلاوة القرآن الكريم أرقى الفنون على الإطلاق فن لا يضاهيه فن في أثره وجلاله، فهو فن يهذب النفس وينعش الروح ويضيء القلب تلاوة القرآن ليست مجرد أداء صوتي بل هو فن يربي الذوق ويعيد للإنسان صفاءه الداخلي.
لقد جاء هذا البرنامج ليقول أن مصر ما زالت قادرة على إنتاج الجمال وعلى تقديم القدوة الحقيقية لا المصطنعة، لقد ذكرت في المقال السابق أن الإنقاذ من الغرق في التفاهة والقبح يبدأ بعودة الإعلام إلى تقديم محتوى راق يحترم العقول ويهذب النفوس ويغذي الروح واليوم نجد أحد النماذج المشرفة لهذا المحتوى ومن واجبنا أن ندعم أى محتوى محترم راق وأن نسانده.
نحن أمة نشأت على أصوات قراء عظام الشيخ عبد الباسط عبد الصمد - مصطفى إسماعيل - المنشاوي - الحصري وغيرهم ممن شكلوا وجدان الأمة لعقود طويلة كانت تلاوتهم غذاء للأرواح تربط الناس بالقيم والجمال، واليوم نشاهد أحفاد دولة التلاوة من شباب مصر ندرك أن هذا البلد صاحب الألف مئذنة لا تنضب أبدا فهي ولادة بأبنائها بما يحملونه من مواهب تحتاج منا فقط إلى التوجيه والدعم والاحتواء حتى يزدهروا ويأخذوا مكانهم الطبيعي في الصفوف الأولى
كأن البرنامَج يقول لكل أم وكل أب، أبناؤكم ليسوا تائهين هم فقط يحتاجون من يضع فيهم النور ويخرج ما فيهم من كنوز نستطيع نوجه طاقات شبابنا إلى أي نوع من الفنون الراقية التي تغذي وجدانهم، فمن وجد في تلاوة القرآن فنا يرفعه فليسر فيه ومن وجد في الموسيقى أو الغناء أو الشعر أو الكتابة أو المسرح أو أي فن راق ملاذًا يعيد توازن روحه فهو أيضا يسلك الطريق نفسه طريق الجمال.
كأن البرنامَج يقول لكل شاب أنت لست مضطرًا أن تكون «تريند» بالتفاهة يمكنك أن تكون تريند بالقرآن بجمال صوتك وصدق إحساسك وإجادة التلاوة بأصول التجويد السليمة وإيصاله للمستمع ليتذوق أيات القرآن الكريم ويستمتع.
لقد حقق «دولة التلاوة» في أسابيع قليلة إنجازًا إعلاميا غير مسبوق مئات الملايين من المشاهدات سواء على شاشات التلفزيون أو على المنصات الأرقام الضخمة للمشاهدات ليس مجرد أرقام لشاشة أو منصة بل هو صدى لوجدان مجتمع عطشان للذوق الراقي والجمال الحقيقي الذي يحترم عقله ويهذب نفسه ويرفع ذوقه وبهذا يثبت أن الطريق الأمثل لمواجهة القبح والتفاهة هو الإنتاج الجاد الإعلام الذي يحترم العقل ويرتقي بالذوق ويغذي الروح ويقدم قدوة ملهمة
برنامَج دولة التلاوة هو شعاع نور والنور إذا سطع يمحو الظلام.