رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تُظهر استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، مقاربة مركّبة تجمع بين الخطاب السياسي الداعي إلى تقليل الانخراط العسكري وبين ممارسة فعلية تؤكد استمرار واشنطن كالقوة الأكثر تأثيراً في الإقليم. 

منذ إدارة أوباما حتي ترامب تكرّر الحديث عن إنهاء “الحروب الطويلة” وإعادة توجيه الأولويات نحو آسيا والمحيط الهادئ، مقابل تقليص المظلة الأمريكية في المنطقة،  إلا أن هذا الخطاب لا يعكس تراجعاً حقيقياً في النفوذ، بقدر ما يعكس إعادة هندسة للوجود الأمريكي وإعادة توزيع للأدوات، بحيث تظل واشنطن اللاعب المركزي القادر على صياغة المعادلات الكبرى، خصوصاً في الملفات الأكثر حساسية مثل غزة، والخليج، والبحر الأحمر، وسوريا

وفي هذا السياق برزت تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحضور الأمريكي في المنطقة: هل ما نشهده هو إعادة تموضع مدروسة أم انسحاب تدريجي يفسح المجال لقوى أخرى، أم أننا أمام شكل مختلف من الوجود يعكس تحوّلاً في مقاربة واشنطن للشرق الأوسط؟

ويُعد ملف غزة أبرز مثال على المفارقة بين خطاب الانسحاب وواقع النفوذ الأمريكي، على الرغم من تصريحات واشنطن بشأن تقليل التدخلات، إلا أنها تظل الفاعل الأكثر قدرة على التأثير في مسار الحرب، وضبط إيقاع العمليات الإسرائيلية، وإدارة النقاش الدولي حول وقف إطلاق النار، والتحكم في المساعدات الإنسانية والتحركات الدبلوماسية. 

لقد أثبتت الحرب أن الولايات المتحدة، مهما تحدثت عن الانسحاب، لا تزال تعتبر أمن إسرائيل واستقرار شرق المتوسط خطوطاً حمراء تفرض عليها البقاء في قلب المعادلة. 

وبذلك يمثل ملف غزة اختباراً صريحاً لمدى قدرة واشنطن على توظيف قوتها السياسية والعسكرية والاستخباراتية لإعادة صياغة البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية طويلة الأجل. 

وبالتالي هذا الحديث عن الانسحاب لا يعكس الواقع الفعلي، إذ تستمر الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في الخليج، دعم إسرائيل كأولوية ثابتة إدارة الصراعات عبر أدوات القوة الذكية. التدخل في ملفات غزة وسوريا ولبنان والعراق.

وفي المقابل، تنظر روسيا إلى هذه الاستراتيجية الأمريكية باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت الهيمنة التقليدية في لحظة تحوّل عالمي حاد ناجم عن حرب أوكرانيا وتزايد التنافس بين القوى الكبرى. 

ومن هنا تسعى موسكو إلى استثمار أي ثغرات أو تناقضات في المقاربة الأمريكية لتعزيز حضورها في المنطقة ، ويتجلى هذا السعي من خلال الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا كمنصة رئيسية للنفوذ، والدخول غير المباشر على ملفات غزة ولبنان والبحر المتوسط عبر مسارات دبلوماسية وإعلامية، إضافة إلى تقوية شراكاتها مع دول تبحث عن تنويع علاقاتها بعيداً عن الضغوط الأمريكية. وتستغل موسكو ــ بحرفية ــ الجدل الدائر حول “انسحاب الولايات المتحدة” لتقديم نفسها كقوة بديلة أو مكملة قادرة على إحداث توازن في السياسات الإقليمية، رغم محدودية أدواتها مقارنة بواشنطن.

وتبرز اعتبارات القوة هنا كعامل حاسم في تفسير التنافس بين الطرفين، الولايات المتحدة ما زالت تمتلك التفوق البنيوي الواضح من حيث القدرات العسكرية المنتشرة في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط، ومن حيث شبكة التحالفات التي تتضمن مصر والأردن ودول الخليج وتركيا وإسرائيل. 

كما تمتلك أمريكا قوة اقتصادية ودبلوماسية تتيح لها صياغة الأطر الإقليمية المتعلقة بالطاقة والأمن البحري ومكافحة الإرهاب،  لكن هذا التفوق لا يمنع ظهور مساحات رمادية يمكن لروسيا العمل عبرها، خصوصاً في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، وتراجع اليقين داخل بعض الحلفاء الإقليميين، واشتداد الصراعات الداخلية في الإقليم. 

وفي هذا السياق، تستفيد روسيا من المرونة التكتيكية التي تتسم بها سياستها الخارجية، ومن قدرتها على استخدام أدوات أقل تكلفة وأكثر تأثيراً، مثل الدبلوماسية المساندة، وتقديم منظومات السلاح، وبناء شراكات طاقوية موازية.

 

وهكذا يمكن القول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة توازنات جديدة لا تحسمها القوة العسكرية وحدها، وإنما القدرة على إدارة التحولات والاستجابة للتحديات المركّبة التي تفرضها الصراعات المفتوحة، وعلى رأسها حرب غزة. 

فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط معادلة نفوذها دون الانسحاب الحقيقي، تعمل روسيا على تعظيم مكاسبها من أي فجوات في الأداء الأمريكي، بما يجعل المنطقة ساحةً مفتوحة لتنافس استراتيجي طويل الأمد. 

ورغم عدم التكافؤ بين الطرفين في عناصر القوة الشاملة، إلا أن استمرار الاضطرابات الإقليمية، وإعادة تشكل منظومات الأمن والطاقة، وتراجع اليقين الدولي، كلها عوامل تضمن بقاء الشرق الأوسط مركزاً رئيسياً لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية خلال السنوات المقبلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء