رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"أشن حربًا على مصر ولا تسترد رأس نفرتيتي"، هذه الجملة التي قالها هتلر تشير إلى قيمة هذا الرأس الأثري البديع، وهي جملة أوردها الدكتور وسيم السيسي المحب للحضارة المصرية القديمة وأحد المدافعين عنها بإخلاص، في إطار التدليل على قيمة هذا الرأس الذي لا يزيد ارتفاعه على 35 سنتيمترًا، والجهود المصرية الممتدة منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى اليوم لاسترداد رأس الجميلة نفرتيتي.

نفرتيتي هي زوجة إخناتون، صحب الثورة الدينية العظيمة التي يعتبرها كثيرون الإرهاصات الأولى لفكرة التوحيد، والتي انبثقت عنها فيما بعد الديانات الإبرهيمية، واسم نفرتيتي كما يفسره ويورده علماء المصريات معناه "الجميلة أتت"، وعاشت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد (1370 –  1330 ق.م).


تورد مصادر ومراجع كثيرة السلطة التي كانت تمثلها نفرتيتي بجوار زوجها الملك أمنحتب الرابع (إخناتون) وكيف شاركته العقيدة الجديدة التي توصّل إليها وهي عبادة الإله تون ممثلا في قرص الشمس رمزا للإله الواحد، وكانت هي وزوجها الوسيط الروحي بين قوة هذا الإله وبين الشعب. 
اكتشف تمثال رأس نفرتيتي عام 1912 من خلال إحدى البعثات الألمانية، وحين تم تقسيم الآثار بين الجانب المصري والبعثة الألمانية احتفظ عالم الآثار الألماني لودفيج بورخارت الذي اكتشف الرأس في تل العمارنة بها، وبحسب محضر التقسيم فقد أوهم الطرف الممثل لمصر أن التمثال الذي وجده لأميرة مجهولة وأنه من الجبس، ليقلل من قيمته، ما يؤكد أن التمثال خرج من مصر على سبيل الخداع والسرقة، من ثم تصبح إعادته أمراً واجباً. 


لا تتوقف أهمية رأس نفرتيتي على جمالها المميز بملامحها الحادة المنمقة، والتي يطلق عليها في العامية "المسمسمة" واعتبرها البعض أيقونة للجمال، ولا في ألوان تاجها الملكي الزاهية التي تشير إلى فنون عصر تل العمارنة وفترة التوحيد في الأسرة الثامنة عشر الفرعونية، بل تتخطى أهميته ذلك لتؤكد على عظمة مخفية في ثنايا ملامحها الملكية، توحي بدورها المهم في مصر القديمة، وتوليها الحكم بعد زوجها إخناتون ثم تمهيد لطريق ليحكم من بعدها زوج ابنتها توت عنخ آمون. 


حملات كثيرة أطلقها آثاريون وعلماء مصريات جنبا إلى جنب مع الجهود لمصرية المتتابعة لاستعادة رأس نفرتيتي، الموجود في متحف برلين منذ عشرينيات القرن الماضي، زادت حدتها ووهجها مع افتتاح المتحف المصري الكبير، والرغبة المصرية في استعادة كل لآثار الموجودة في الخارج والتحركات الرسمية الدبلوماسية والقانونية وحتى الشعبية والأهلية في هذا الإطار. 


يقف أمام عودة هذا الرأس الذي عثر عليه في منزل النحات تحتمس بتل العمارنة في محافظة المنيا العديد من المعوقات من بينها قوانين دولية تقرها منظمة اليونيسكو تسمح للمتاحف بالاحتفاظ بالآثار المسجلة رسميا ضمن مقتنياتها، وإن كان رأس نفرتيتي خرج بطريقة غير شرعية اعتمدت على الخداع والكذب في وقت خضوع مصر للانتداب البريطاني، فمن المفترض تكريس الجهود القانونية لإثبات هذا الخداع، ولكن في المقابل، هل يمكن أن تتخلى ألمانيا عن هذا الرأس الذي يجلب لها سنويا أعداداً كبيرة من السياح، بل ويطلقون عليه "موناليزا ألمانيا"؟ 
لا شك أن ألمانيا من أكثر الدول اهتماما بالحضارة المصرية القديمة، بل ولديها متحف مخصص للآثار المصرية هو متحف بون، وفي مقابل أصوات كثيرة تطالب باستعادة رأس نفرتيتي بوصفه قطعة أثرية فريدة من نوعها ولها مدلولات رمزية وتاريخية مرتبطة بفترة شائكة وملتبسة في التاريخ المصري القديم، فهناك أصوات أخر تعتبر الآثار المصرية في الخارج سفيراً للحضارة المصرية، وهو أمر لا خلاف عليه، ويعززه فكرة المعارض الأثرية المؤقتة التي تنظمها وزارة السياحة والآثار وتجوب العالم، ولكن هذه المنطق لا ينطبق بحال من الأحوال على القطع الفريدة والنادرة مثل "رأس نفرتيتي". 
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء