يشهد المجتمع المصري تحوّلًا إعلاميًا غير مسبوق، بعدما أصبحت المنصات الرقمية ملجأ الشباب الأول للمعلومات والترفيه والتفاعل، وبرغم أن هذا التحوّل فتح أبوابًا واسعة أمام حرية التعبير وتنوع المحتوى، إلا أنه في الوقت نفسه أوجد تحديات جديدة تتعلق بجودة ما يُنشر، وتأثيره على الوعي والقيم.
وبين الإيجابيات والسلبيات، يبرز سؤال مهم: كيف أثّر الإعلام الجديد وصنّاع المحتوى في تشكيل وعي الشباب المصري؟
بدايةً نشير إلى أنه لم تعد القوة الإعلامية مقتصرة على القنوات والصحف، فاليوم يملك صانع المحتوى العادي القدرة على الوصول إلى ملايين المشاهدين ببث مباشر أو مقطع لا تتجاوز مدته دقيقة، سهولة التواصل وحرية الطرح، جعلت هؤلاء المؤثرين أقرب لجمهور الشباب من أي وقت مضى.
وفي مجتمع تزيد نسبة الشباب فيه بشكل كبير، تحوّل صانع المحتوى إلى مصدر رئيسي لفهم الأحداث وتفسير الواقع، بل وأحيانًا لتشكيل الرأي العام.
ومما لا شك فيه، أن الإعلام الجديد له إيجابيات واضحة للمجتمع المصري، من أبرزها (تنوع المعرفة، من خلال ظهور قنوات علمية وثقافية وتاريخية تبسط المعلومات وتقرّبها من الجمهور - خلق فرص اقتصادية جديدة، حيث تحولت صناعة المحتوى إلى مصدر دخل وفرصة عمل لآلاف الشباب - تعزيز الإبداع، بإتاحة الفرصة للمواهب للظهور دون الحاجة لمنصات رسمية - تطوير المهارات، من خلال تعرّف الشباب على مجالات جديدة مثل التسويق الرقمي، والإنتاج المرئي، والعمل الحر).
وبالتأكيد، هذه الإيجابيات دفعت كثيرًا من الشباب إلى اكتساب مهارات، وتطوير مشاريع شخصية، وتوسيع آفاقهم التعليمية والثقافية، ورغم مزايا الإعلام الجديد، إلا أن تأثيره لم يخلُ من مخاطر وسلبيات، من أبرزها (انتشار المعلومات غير الدقيقة بسبب غياب الرقابة المهنية أو البحث العلمي - تسطيح القضايا العامة عبر محتوى سريع يعتمد على الإثارة أكثر من المعلومة - المقارنات الاجتماعية التي تولّد شعورًا بالضغط النفسي نتيجة متابعة حياة مؤثرين تبدو مثالية - تعزيز النزعة الاستهلاكية عبر الإعلانات غير المعلنة أو الترويج المبالغ فيه للمنتجات - التنمر الإلكتروني الذي قد يجرح مشاعر الشباب ويؤثر على استقرارهم النفسي)، هذه الظواهر تخلق فجوة بين الواقع والمحتوى، وتشكل تحديًا أمام تكوين وعي مستقر ومتوازن.
فهل ذلك الإعلام الجديد المتمثل في صناعة المحتوى، خارج نطاق الاحتواء؟ أم يمكن الحد من السلبيات وتعزيز وتعظيم التأثير الإيجابي؟
والإجابة على هذا الطرح، يمكن اتباع مجموعة من الحلول الواقعية، للحد من الآثار السلبية دون خسارة مزايا الإعلام الجديد، من أخصها:
دعم صناع المحتوى الجادين عبر مبادرات، وشراكات إعلامية، وحملات لنشر المحتوى الثقافي والعلمي.
وضع معايير أخلاقية تنظم الإعلانات والمواد الدعائية لضمان الشفافية وحماية الجمهور.
نشر الوعي الأسري حول كيفية التعامل مع المنصات الرقمية ومحتواها.
ومن المعلوم أن صُنّاع المحتوى في مصر، يطالون الساحات السياسية والاجتماعية، فمن ناحية السياسة، يستخدم بعض المؤثرين المنصات الرقمية للتعبير عن الآراء أو النقاشات المجتمعية، وهو ما يمنح الشباب صوتًا موازٍ للإعلام التقليدي، هذا الصوت يمكن أن يسهم في نشر وعي سياسي، لكنّه قد يكون أيضًا وسيلة لتوجيه الرأي العام إذا استُغل من قوى معينة لتحقيق أجندات معينة.
وعلى الجانب الاجتماعي، تلعب المنصات دورًا في تشكيل القيم والسلوكيات؛ فمقاطع الفيديو التي تتناول مواضيع مثل الهوية أو العلاقات الأسرية أو القضايا الأخلاقية تصل بسرعة، وتثير نقاشًا بين الشباب، كحالات الجدل حول ما يُعتبر سلوكًا أخلاقيًا أو مرفوضًا، على مواقع التواصل.
وحسب تقارير موثقة، بلغت عدد هويات المستخدمين النشطين على وسائل التواصل في مصر حوالي 50.7 مليون مستخدم في يناير 2025، ما يُعادل حوالي 43.1% من سكان البلاد، وأن متوسط الوقت الذي يقضيه المصريون على مواقع التواصل يوميًا يقارب 143 دقيقة (حوالي ساعتين و23 دقيقة).
ومن ثم يظل التساؤل الأبرز، هل يجب إخضاع صناع المحتوى للرقابة أم عليهم هم اتباع الصالح العام؟
هذا التساؤل يمثل اليوم إحدى أكثر القضايا الجدلية في عالم الإعلام الرقمي، فمن جهة، يطرح البعض ضرورة فرض رقابة واضحة على المحتوى المنشور لضمان عدم نشر الشائعات، أو التحريض، أو المعلومات المضللة التي قد تؤثر في الأمن المجتمعي أو القيم العامة.
ويرى هذا الاتجاه أن حرية التعبير لا تعني الفوضى، وأن منصات التواصل قد تتحول دون ضوابط إلى ساحات للفوضى المعلوماتية التي تضر بوعي الشباب ووجدانهم.
وعلى جانب آخر، يرى البعض أن الرقابة الصارمة قد تقتل الإبداع، وتحدّ من قدرة الشباب على التعبير عن أنفسهم واستكشاف قضاياهم بحرية.
وهنا يظهر الاتجاه الذي يدعو إلى المسؤولية الذاتية لصنّاع المحتوى، أي أن يدرك كل منشئ محتوى أنه ليس مجرد فرد ينشر رأيًا، بل مؤثر يمتلك قدرة على توجيه الرأي العام، وأنه يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه جمهوره.
ونرى أنه يجب التوازن بين كلا التوجهين، فالحل ليس في الرقابة المطلقة ولا في الحرية المطلقة، بل في منظومة متوازنة تشمل (تشريعات واضحة ضد الضرر المباشر، كالتضليل، الابتزاز، خطاب الكراهية - تشجيع ثقافة المسؤولية المهنية لدى صانعي المحتوى أنفسهم - توعية الجمهور الشبابي بطرق التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى المضلل).
في النهاية، نؤكد على أن صنّاع المحتوى والإعلام الجديد أصبحا عنصرين فاعلين في تشكيل وعي الشباب المصري، بل وصنعا بيئة إعلامية موازية للإعلام التقليدي، وبين ما يقدمانه من فرص للتعلم والإبداع، وما يحملانه من مخاطر التشتت والسطحية، يبقى الوعي هو العامل الحاسم.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،