من داخل مقبرة 62.. توت عنخ آمون أسطورة حية وأسرار لا تنتهي
في قلب وادي الملوك، حيث تنطق الرمال والجبال بتاريخ ممتد لا يشيخ، تقف مقبرة توت عنخ آمون كأيقونة فرعونية فريدة، لم تُبح بكل أسرارها بعد، مقبرة أعادت للعالم شغفه مرة أخرى بالحضارة المصرية منذ لحظة اكتشافها عام 1922، حينما أضاء هوارد كارتر مصباحه اليدوي ليجد أمامه كنوزٍ مذهلة لم يمسّها الزمن، فبين جدرانها المزيّنة رسومات خالدة بألوانها الزاهية لم يغيرها الزمن، فهي ليست مقبرة عادية بل حكاية دهشة لا تنتهي، هي مقبرة الملك الذهبي الذي فتح بوجوده نافذة إلى عالم ملوك القدماء المصريين.
مقبرة توت عنخ آمون

شعور غريب يتملك قلبك بمجرد أن تطأ قدميك درجات مقبرة توت عنخ آمون، هنا يرقد الملك الذهبي الذي مات في ريعان شبابه تاركًا خلفه أسرار لم تكشف بعد، درجات كثيرة تحملك إلى أسفل الأرض الهواء محدود التزاحم ضخم من كل جنسيات العالم يصطفون في طابور طويل ليروا جثمان توت عنخ آمون، ينتظرون أن يستمعوا إلى قصة ذلك الملك العظيم المميز في كل شيء حتى في مقبرته ويبدأ المرشد السياحي المرافق للسائحين في سرد القصة التي ربما لم نتمعن بها في كتب المرحلة الابتدائية أو ربما لم تكن كاملة وجاءت الحكاية في السطور التالية.

لم تكن المقبرة سليمة عندما تم اكتشافها عام 1922 على يد "هوارد كارتر" ، بل سبق أن تعرّضت للسرقة وإعادة الإغلاق قبل مئات السنين من وصول كارتر إليها، فأول ما واجهه كارتر بعد إزالة الركام عن درجات السلم يوم 4 نوفمبر 1922 كان دليلًا واضحًا على أن المقبرة لم تكن مغلقة بإحكام منذ الدفن الملكي.

فعلى الباب الخارجي (المدخل الأول)، ظهرت أختام واضحة تُعرف باسم "ختم المقبرة الملكية" The Royal Necropolis Seal، وهو الختم الرسمي للسلطات المسؤولة عن حماية مقابر وادي الملوك، ويتكون هذا الختم من رمز "ابن آوى" ، الذين يمثّلون أعداء مصر، وعلى الرغم من أن "كارتر" لم يتمكن أولًا من قراءة اسم صاحب المقبرة، فإنه أدرك فورًا أنها مقبرة ملكية، وأن الأختام تدل على مكانة صاحبها.

وقد لاحظ "كارتر" عند دخول المقبرة أن مواضع كثيرة من القطع الأثرية كانت غير منظمة، بعض القطع تعرضت للتلف، كما لوحظ اختفاء محتويات صغيرة ثمينة مثل الزيوت والعطور والجواهر الصغيرة، وكل ذلك يشير إلى أن اللصوص دخلوا المقبرة سريعًا، ونهبوا ما استطاعوا حمله قبل ضبطهم أو قبل تدخل السلطات.

وعند إزالة المزيد من الركام كشفت تفاصيل شديدة الأهمية فهناك أجزاء من الباب كانت مختومة بختم الشرطة الملكية بعد إعادة إغلاقه عقب محاولة سرقة قديمة، أما الأجزاء الأخرى حملت أختام الملك توت عنخ آمون الأصلية، وهي الأجزاء التي لم يمسها اللصوص، وهذا يعني أن السلطات المصرية القديمة اكتشفت السرقة، ثم أعادت إغلاق المقبرة رسميًا بختم "ابن آوى والأسرى التسعة".

وعند الباب الداخلي للمقبرة تكرر الأمر نفسه حيث عُثر على، أختام الملك الشاب، وأختام المقبرة الملكية، مع آثار واضحة للفتح وإعادة الإغلاق مرة أخرى.

الجعران القلبي

عندما اكتشف كارتر مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون لم ينتبه في وقتها لأثر صغير "الجعران القلبي"، التميمة السحرية التي وضعها المحنّطون فوق جسد الملك الشاب وهي تحمل له وعدًا أبديًا بالحماية والبعث والخلود، لم يكن الجعران مجرد تميمة، بل كان قلبًا بديلًا، وضميرًا صامتًا، وجسرًا بين عالمين؛ عالم عاشه الملك لبضع سنوات، وعالم آخر كان عليه أن يخطو إليه كملك خالد لا يموت.
فقد تكدّست الأنظار على القناع الذهبي والعرش والعربة الملكية وتماثيل الآلهة، لكن أحدًا لم يتوقف أمام الجعران القلبي، لأنه بدا صغيرًا مقارنة بالكنوز، إلا أن ما خُفي كان أعظم.

فعلى اللوح الذهبي الذي حُمِل عليه الجعران ظهرت نقوش دقيقة تمتلئ بالحكم والتعاويذ، وكأنها لغة سرية لا تُقرأ إلا بالعين الروحية، كان الجعران مصنوعًا من راتنج أسود داكن اللون، لامع مثل حجر صلد خرج من أعماق الأرض ليحمي الملك من فتن الحياة الأخرى، وقد وُضع بحزام ذهبي عند موضع السرة، ذلك الموضع الذي يحمل في ذاكرة الجسد معنى الأصل والبداية والخلق الأول، وعلى ظهره نقش المحنّطون طائر البنّو، طائر الميلاد الأول، ذلك المخلوق الإلهي الذي خرج من مياه نون، ووقف فوق تلة الوجود الأول ليعلن ولادة العالم.

وفي مقدمة الجعران بُدت عين “كاير”، عين منفتحة لا تنام، قادرة على رؤية كل ما يمر به القلب في رحلته، تحرس، وتراقب، وتُبعد الشر، وتمنع الأرواح المظلمة من الاقتراب، وتُذكّر القلب بأن يقول ما هو حق، تلك العين كانت بالنسبة للملك مرشدًا في العالم الآخر، ورفيقًا في معبر الظلمات، لأنها لا ترى الضوء فقط، بل ترى الحقيقة.
الملك الذهبي

تعد مقبرة الملك توت عنخ آمون (حوالي1336-1327 ق.م) من الأسرة الـ18 ذات شهرة عالمية لأنها المقبرة الملكية الوحيدة بوادى الملوك التى تم اكتشاف محتوياتها سليمة وكاملة نسبيًا، اكتشافها أحد أهم الاكتشافات الأثرية حتى الآن.
وتتكون كنوز توت عنخ آمون الأثرية من أكثر من 5300 قطعة اكتشفت فى مقبرته، وهى تضم مجموعة متنوعة من التحف التى تشمل القناع الذهبى الشهير، التوابيت، العرش، عربات حربية، مجوهرات، وأثاثاً، بالإضافة إلى قطع أخرى تعكس جوانب من حياته اليومية وشعائره الدينية، وتم عرض هذه المجموعة فى المتحف المصرى الكبير للمرة الأولى مجتمعة، مما يجعلها من أندر وأشمل المجموعات الأثرية فى العالم.
لعنة الفراعنة

يرتبط وادي الملوك دائمًا بأسطورة "لعنة الفراعنة"، وتروي حكاية شهيرة لكنها غير مؤكدة أن كارتر ورفاقه عثروا على لوح طيني في غرفة الانتظار، نُقش عليه: «سيقتل الموت بجناحيه كل من يعكر صفو الفرعون» وسرعان ما تحولت العبارة إلى عنوان رئيسي في الصحف وإلى نواة أسطورة "لعنة الفراعنة"، لكن الباحثين يؤكدون أنها قصة غير موثقة ولا يوجد دليل على وجود هذا اللوح.


