رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أن الدافع إلى صياغة هذا المقال في الحقيقة جاء من اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية في الإقليم، وتحوّلها إلى صراع متعدد الجبهات. فبين جبهة غزة التي لا تزال خروقات وقف إطلاق النار تُهدّد استقرارها الهش، وجبهة شمال الضفة الغربية التي تعيش على وقع عمليات أمنية مستمرة، مرورًا بسوريا حيث ارتفع منسوب الاحتكاك العسكري، وصولًا إلى تقديرات وتحليلات رصينة تتحدث بثقة لافتة عن أنّ الحرب مع لبنان باتت مسألة وقت لا أكثر، في ظل إعادة حزب الله بناء نفسه وقدراته، يتشكل مشهد إقليمي ينذر بانزلاق أوسع.

أولاً في هذا السياق، تأتي المواجهة الدامية التي خاضتها القوات الإسرائيلية مؤخرًا ضد مجموعات مسلحة قرب الحدود السورية، لتكشف أن الجبهة الشمالية الشرقية لم تعد هامشية كما كانت. فقد أشارت تقارير عديدة إلى أن إسرائيل خاضت واحدة من أعنف معاركها هذا العام قرب بلدة بيت جن، على بعد نحو خمسة كيلومترات من الحدود.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، تحركت قوة عسكرية عند الفجر لاعتقال أفراد من “الجماعة الإسلامية”، قبل أن تتعرض لكمين ناري كثيف من عناصر مسلحة، ما أدى إلى إصابة ستة جنود احتياط، ثلاثة منهم بجروح خطيرة. وانتهت العملية وفق الجيش بتحييد عدد من المهاجمين، فيما بقيت القوات منتشرة في المنطقة تحسبًا لتهديدات إضافية.

في المقابل، أدانت دمشق العملية ووصفتها بـ “جريمة حرب”، مشيرة إلى أنها شملت اعتداءات على السكان والممتلكات، و أفادت وكالة “سانا” بمقتل 13 شخصًا في الهجوم. وعلى الرغم من أن إسرائيل تنفذ ضربات جوية شبه أسبوعية داخل سوريا، إلا أن تكبد خسائر بشرية على هذا النحو يُعدّ تطورًا نادرًا.

وعليه تكشف هذه العملية عن مستوى غير مسبوق من التوغل الإسرائيلي في العمق السوري، ومحاولة واضحة لإعادة صياغة واقع جديد جنوبي سوريا، خاصة بعد التغييرات التي شهدها النظام خلال العام الماضي. كما أنها تأتي في لحظة إقليمية متفجرة من وقف إطلاق النار في غزة مترنّح، والتصعيد مع حزب الله الذي يعد قابل للانفجار في أي لحظة.

وهو ما ينقلنا على الجانب الآخر من الجبهة الشمالية، إذ تسارعت دقّات الحرب الصامتة بين إسرائيل وحزب الله. فاغتيال القائد العسكري البارز هيثم علي الطبطبائي في أحد شوارع بيروت وهو أكبر مسؤول يتم استهدافه منذ وقف إطلاق النار وهو ما شكّل نقطة تحول أعادت طرح السؤال: إلى متى يستطيع الحزب مواصلة سياسة “ضبط النفس”؟

تشير التحليلات إلى أن حزب الله يعتمد استراتيجية “الصبر الطويل”، بإعادة بناء قدراته، وملء المواقع الحساسة التي كشفتها الاغتيالات المتلاحقة. وقد جرى رصد شاحنات محملة بالصواريخ وهي تدخل لبنان خلال الأسابيع الماضية، رغم قطع معظم خطوط الإمداد بعد سقوط النظام السوري.

في المقابل، تواصل إسرائيل تعزيز قبضتها العسكرية؛ فهي تحتل خمسة مواقع استراتيجية جنوب لبنان، وتقول إنها قتلت أكثر من 300 عنصر من الحزب، إضافة إلى 127 مدنيًا بحسب تقديرات الأمم المتحدة. كما كثفت خلال الفترة بين 1 و24 نوفمبر استهدافها لما لا يقل عن 76 موقعًا داخل الأراضي اللبنانية.

وثمة رسالة واضحة تبعثها تل أبيب مفادها أن حزب الله يعيد بناء منظومته بسرعة، وإسرائيل لن تنتظر حتى يكتمل هذا البناء.

وهنا يصبح الاغتيال جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنهاك الحزب تدريجيًا، ودفعه نحو لحظة ارتباك تُضعف قدرته على ردع الحرب أو إدارتها.

أما داخليًا في لبنان، فترى السلطات أن المماطلة الإسرائيلية في التفاوض تُقرب البلاد من خطر انفجار داخلي، خصوصًا في ظل حالة الإجهاد الاقتصادي والسياسي التي يعيشها لبنان، وما يمكن أن يترتب على أي محاولة إسرائيلية لفرض نزع سلاح الحزب بالقوة.

 

ختاما ان مشهد الإقليمي على حافة الانفجار حيث تتداخل الجبهات الثلاث غزة، سوريا، ولبنان في لحظة واحدة، ما يجعل المنطقة أمام منعطف خطير. فإسرائيل تخوض حربًا متعددة المستويات ما يتعلق باستنزاف في غزة مع استمرار عملياتها في المناطق الشرقية والجنوبية وهجمات وتوغلات في سوريا بهدف تحييد الفصائل وتعطيل خطوط الإمداد وأيضاً تصعيد تدريجي مع حزب الله عبر الاغتيالات النوعية وضربات عمق الجنوب.

وفي المقابل، تتحرك الأطراف الأخرى الفصائل الفلسطينية، حزب الله، سوريا ضمن هامش محدود تفرضه موازين القوى والضغوط الدولية، ما يجعل احتمالات الانفجار الواسع موجودة دومًا، حتى وإن بدت مؤجلة مؤقتًا. فالمشهد متداخل، وملغوم بالاحتمالات.لكن ما يجري اليوم لم يعد قابلاً للتجاهل فالشرق الأوسط يعيش لحظة إعادة تشكيل حقيقية، تتقدم فيها الجبهات المشتعلة على الخطاب الدبلوماسي، وتفرض الحقائق الميدانية نفسها كعنوان للمرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء