صراع متزايد بين أمريكا وروسيا والصين على النفوذ في البحر الأحمر| صور
تشهد منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، صراعاً على النفوذ بين القوى العظمى، خصوصاً بين أمريكا والصين، وروسيا التي تسعى لزيادة تواجدها، حيث تتنافس بكين وموسكو في توسيع حضورهما عبر الاستثمارات العسكرية والاقتصادية، بينما تحاول الولايات المتحدة مواجهة هذا المد من خلال تعزيز وجودها العسكري وتحالفاتها.
ويتحول البحر الأحمر بسرعة إلى منطقة نزاع محتدم، حيث تتنافس القوى العالمية التقليدية والناشئة على النفوذ والسيطرة، ويشهد البحر الأحمر تراجع القوى الغربية، وصعود القوى البديلة، وتزايد قوة القوى الإقليمية.
وفي أحدث تطور، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن حكومة بورتسودان طرحت على روسيا فرصة إقامة أول قاعدة بحرية لها في القارة الإفريقية، على موقع استراتيجي يطل على مسارات تجارية حيوية في البحر الأحمر.
وإذا تحققت هذه الصفقة، ستُمثل خطوة استراتيجية مهمة لموسكو، التي تسعى لتعزيز وجودها في إفريقيا، بينما تُعد مؤشراً مقلقاً للولايات المتحدة، التي تحاول منع روسيا والصين من السيطرة على الموانئ الإفريقية التي يمكن أن تستخدم لإعادة تسليح السفن الحربية وتجهيزها وربما السيطرة على الممرات البحرية العالمية.
أشكال الصراع
يتخذ الصراع في البحر الأحمر أشكالاً مختلفة منها التنافس على الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية، والتوترات العسكرية التي قد تتفاقم في ظل الاستقطاب العالمي.

تواجد الصين
تُشغّل الصين بالفعل منشأة بحرية رئيسية في جيبوتي، اكتمل بناؤها عام 2017، وتقع على بُعد ستة أميال فقط من أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في أفريقيا في معسكر ليمونيه، ويتسع الرصيف هناك لحاملة طائرات، ما يُبرز توسّع الوجود العسكري الصيني على طول المنافذ البحرية.

وتحتفظ الولايات المتحدة بآلاف الجنود في جيبوتي، وتنشر قوات عمليات خاصة في جميع أنحاء الصومال لدعم الوحدات المحلية التي تُقاتل حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
ويأتي سعي روسيا إلى بورتسودان في وقتٍ يشهد فيه نفوذها في أفريقيا تحوّلاً، كانت مجموعة فاجنر المرتزقة تهيمن سابقًا على عمليات موسكو في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، لكن المنظمة تفككت بعد تمرد مؤسسها يفجيني بريجوزين عام 2023 ووفاته، ولم تتمكن القوة شبه العسكرية الروسية الجديدة الخاضعة لسيطرة الدولة من محاكاة نفوذ فاجنر أو ربحيتها.

الحرب في السودان تفتح آفاقًا جديدة للقوى الأجنبية
أصبح الصراع في السودان - الذي اندلع عام 2023 بمثابة ساحة معركة بين جهات فاعلة عالمية وإقليمية تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة.
في البداية، دعمت موسكو ميليشيا قوات الدعم السريع واستخدمت علاقاتها للوصول إلى رواسب الذهب السودانية، ولكن مع بدء قوات الدعم السريع التودد إلى أوكرانيا، تحولت روسيا لدعم حكومة الخرطوم، وفقًا لمسؤولين سودانيين ومتمردين.
تفاقم الكارثة الإنسانية وسط تحول التحالفات
تعكس مبادرات الحكومة السودانية تجاه موسكو تدهور وضعها الميداني، فبينما سيطر الجيش على الخرطوم، سيطرت قوات الدعم السريع في أكتوبر على كامل دارفور، حيث تقول جماعات حقوق الإنسان إن القوات ترتكب فظائع واسعة النطاق تُذكّر بالإبادة الجماعية التي وقعت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
على الصعيد الوطني، يُقدّر دبلوماسيون أن ما يصل إلى 150 ألف شخص لقوا حتفهم بسبب الصراع والجوع والمرض، وأن حوالي 12 مليونًا نزحوا من ديارهم.
مناورة استراتيجية بتكاليف سياسية باهظة
بالنسبة للسودان، قد يكون الحصول على الدعم العسكري الروسي مكلفًا دبلوماسيًا.
واعترف مسؤول عسكري سوداني لصحيفة وول ستريت جورنال بأن الاتفاق مع موسكو قد يثير مشاكل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي"، وكلاهما يشعر بقلق عميق إزاء عسكرة البحر الأحمر.
ومع ذلك، بالنسبة لنظام عسكري يكافح من أجل البقاء، قد تكون العزلة الدولية أقل أهمية من المكاسب الميدانية الفورية.
بالنسبة لروسيا، يُمثل هذا العرض فرصةً طال انتظارها: موطئ قدم آمن في البحر الأحمر يُمكن أن يُعيد تشكيل الديناميكيات البحرية في الشرق الأوسط وأفريقيا وما وراءهما.
لماذا أصبحت منطقة البحر الأحمر مسرحاً للتنافس على النفوذ العالمي؟
تفتقر المنطقة إلى قوة مهيمنة واضحة قادرة على فرض النظام، ما يجعلها ساحة مفتوحة للتنافس بين الدول ذات المصالح المتداخلة.
ويتمتع البحر الأحمر بقيمة استراتيجية بالغة، فهو يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيطين الهندي والهادئ، ويُعدّ ممرًا بحريًا للتجارة العالمية والطاقة، كما يُجاور دولًا هشة مثل السودان وإريتريا واليمن.
هذا المزيج ــ من ناحية، السلطة المحدودة أو المتنازع عليها والتي تترك المنطقة معرضة للاختراق الخارجي، ومن ناحية أخرى، قيمتها الاستراتيجية الكبيرة ــ قد حول المنطقة إلى مغناطيس للتدخل الخارجي.


