رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في علم السياسة لحظات فارقة لا تقاس بقوة الصوت، بل بعمق الأثر، ولحظة التصحيح التي شهدها المشهد الانتخابي لم تكن كلمة عابرة ولا انفعالا عابرا .. بل كانت فعلًا محسوبا جاء في التوقيت الحرج ليوقف انحدارا كان يمكن أن يتحول إلى نمط ثابت .. ويعيد للدولة هيبتها وللمسار الانتخابي معناه.

الضربة الأولى  التي وجهت لم تكن ضد أشخاص، ولا ضد مرشحين.. بل ضد منهج كامل كاد يستقر ويتجذّر لو لم تُرفع في وجهه كلمة  ( كفى ) ، فالمشهد الذي سبق هذه الضربة لم يكن مجرد أخطاء بسيطة، بل حالة انفلات منظمة خرجت فيها الممارسات الانتخابية عن كل قواعدها واختلطت فيها المصالح الخاصة بالسلطة، وغابت فيها الضوابط، وتراجعت الرقابة، وتمدّد فيها نفوذ من ظنوا أن السياسة ملعب مفتوح بلا حساب. 

هذا كله كان يُنذر بأخطر ما يمكن أن تواجهه دولة: تحول الانحراف إلى قاعدة، وتحول العبث إلى أمر واقع، وتحول الانتخابات إلى مسرح محكوم بقدرات المال والنفوذ، لا بإرادة الناس أو قواعد القانون. 

وفي لحظة كانت البلاد فيها بحاجة إلى الإجابة على سؤال بسيط: هل ما يحدث يُرى؟ وهل يُقبل؟ جاءت تلك الضربة لتعيد ترتيب المشهد وتقول بوضوح إن الدولة لا تقبل الفوضى، ولا تسمح بأن يتحول أداؤها المؤسسي إلى سلعة.

الضربة لم تكن مجرد تصريح، بل كانت رسالة مؤسسية واضحة تضرب في عمق البنية التي سمحت للفوضى بالتمدد، لقد أوقفت اندفاع الممارسات غير المنضبطة، ووضعت المؤسسات أمام مسؤولياتها، وخلقت ارتباكًا حقيقيًا لدى من اعتادوا استغلال الهوامش، وفتحت بابًا ضروريًا لإعادة تقييم .. ليس فقط لما حدث، بل للمنظومة كلها: قوانين، إجراءات، رقابة، صلاحيات، ومراكز نفوذ، وربما كان أخطر ما في هذه الضربة أنها أعادت للمواطن إحساسا بأن هناك من يرى، ومن يتدخل، ومن يضع حدًا عندما يصبح الصمت خيانة.

ولو لم تُوجَّه هذه الضربة، لكان كل شيء قابلًا للتمدد: كانت الفوضى ستتحول إلى سابقة، والعبث إلى نموذج، والمصلحة الخاصة إلى قاعدة حاكمة، وكان الشارع سيزداد ابتعادًا وشكًا وربما غضبًا، وكان اللاعبون الفاسدون سيحصلون على شرعية الأمر الواقع، ولكان المشهد السياسي نفسه أمام خطر التحوّل إلى مسار أحادي مغلق لا يمكن إصلاحه لاحقًا.

الصمت كان سيمنح الأزمة حياة طويلة، ويمنح الفوضى جناحين، ويمنح العابثين فرصة لتثبيت قواعدهم في قلب العملية السياسية، لكنّ قيمة هذه الضربة لا تكمن في قوتها اللحظية، بل في ما قد يليها، فهي ليست نهاية المشهد، بل بدايته؛ ليست حلًا كاملًا، بل شرارة إصلاح. 

ولتحويلها إلى نقطة تحول حقيقية لا بد من مراجعة واسعة لكل ما جرى، ومحاسبة شفافة لا تعرف الانتقائية، وتطوير لآليات الرقابة، وتجديد للقوانين والإجراءات، ومنح الأجهزة الرقابية استقلالًا يضمن ألا تتكرر الممارسات التي شوهت الانتخابات، ومن دون هذه الخطوات ستبقى الضربة حدثًا مهمًا لكنه معلق في الهواء، لا يخلف تغييرًا هيكليًا طويل المدى.

التحية هنا ليست مجاملة سياسية، بل إقرار بحقيقة واضحة،  في لحظة كان فيها الصمت خصمًا للوطن، جاء صوت يقول ما كان ينبغي أن يقال، ويفعل ما كان يجب فعله.

 وفي لحظة كان فيها العبث يستعد للتمدد، جاءت الضربة التي ذكّرت الجميع بأنّ للدولة صاحبا، وللنزاهة معنى، وللمحاسبة منطقًا لا يمكن أن يُلغى.

تحية لصاحب أول ضربة انتخابية .. تحية لأنها جاءت في وقتٍ كان التأجيل فيه هزيمة، والصمت فيه مشاركة، والتردد فيه ضوءًا أخضر لكل من ظنوا أن مصر يمكن أن تُدار بالتحايل والتجاوز. 

إن هذه الضربة أعادت تعريف حدود اللعب السياسي، وأعادت الاعتبار لفكرة الدولة، وأطلقت إشارة أولى في معركة التصحيح. 

ويبقى الرهان الأكبر.. أن تتحول هذه الضربة من حدثٍ قوي إلى مسار كامل، ومن خطوة إلى هندسة جديدة للحياة السياسية، ومن لحظة إلى عهد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء