رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

د.أماني الطويل: قوى إقليمية تعمل على إحلال الدعم السريع محل الجيش السوداني

الدكتورة أماني الطويل
الدكتورة أماني الطويل

-        واشنطن تتعامل مع الدعم السريع كورقة ضغط في مواجهة انقلابات الساحل الإفريقي

-        اقتصاد الحرب يغذي نفسه.. والدعم السريع يملك قدرة ذاتية فائقة على إعادة إنتاج القوة

-        نحن أمام حرب بلا سقف سياسي.. وتوازنات دولية عاجزة عن فرض حل

-       فرصة السلام لا تتعدى 30%.. ونحتاج استثناءً سودانياً على غرار مانديلا

وعبرت الدكتورة أماني الطويل مديرة البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عن تقديرها لدعوة مركز «باستيت»، مؤكدةً أن تصورها يتمثل في أن يمثل المركز إضافة كبيرة للمجال البحثي خلال الفترة المقبلة. 

وأشارت إلى أننا بصدد ملف السودان الذي يمثل أهمية كبيرة، مؤكدةً أن الوضع في السودان يعد من نت أكثر الأوضاع العربية الراهنة تعقيدًا وربما تكون انعكاسات الثورة السودانية أكثر وطأة من غيرها. ومن منطلق أن هذا الملف معقد ومتشابك، فقد اختارت زاوية محددة للحديث عنها تتمثل في "حرب بلا سقف سياسي وتوازنات دولية عاجزة".

وأشارت إلى أنه رغم استماعنا لتصريحات من جانب وزير الخارجية الأمريكي المتعلقة بموقفه من فكرة تسلح الدعم السريع وأيضًا من حالة الدعم السريع ككل كونها ميليشيا خارج سياق الدولة، إلا أنها تظن بأنه في ظل تعقد الوضع السوداني سيكون هناك حدود لهذا الدور الأمريكي. وعندما نتحدث عن حرب بلا سقف، فلا بد أن تتحدث عن ديناميات هذه الحرب، خاصة مع التداخل الكبير للمعطيات العسكرية والاجتماعية والسياسية والإقليمية التي تنتج نموذجًا لصراع يصعب احتواؤه أو دفع أطرافه إلى تسوية.

وأوضحت أن ديناميات التصعيد العسكري ربما تكون مفتاحًا لفهم التطورات التي تراها مقبلة، خاصة أن الحرب تعيد تشكيل السودان ديموجرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية. وترى أن أهداف كل من القاهرة وأبوظبي في السودان متضاربة، وأن جزءا من هذا التضارب  معروف وجزء منه غير معروف. والتصعيد العسكري ودينامياته مرتبط بأن لدينا أطرافًا قادرة على التصعيد الذاتي، وليس بالضرورة أن تكون هذه الأطراف لديها أطراف إقليمية داعمة، ولكنها تملك القدرة على التصعيد الذاتي، ومنها الدعم السريع يعتبر لديه القدرة على التجنيد المفتوح على عكس الجيش السوداني، وأيضًا القدرة على التمويل من الموارد التي يسيطر عليها في الأرض، وعنده قدرة نسبية على صياغة خطاب سياسي جاذب لبعض الأطراف، وخصوصًا في بيئات اجتماعية صديقة له وحاضنة له، وبالتالي لديه القدرة على إعادة إنتاج القوة بهذه المعاني.

وبهذا الشكل، يكون لدينا مصادر تمويل متعددة لجهات لصناعة اقتصاد حرب. وعلى الناحية الأخرى، اختار الجيش السوداني مناطق تمركزه في مناطق شرق ووسط وشمال السودان، لكنه لديه مشكلة في التجنيد البشري حيث القدرة المحدودة، وخاصة أنه حُرِم من سلاح المشاة منذ فترة حكم البشير على اعتبار المخاوف التي كانت موجودة من قيادة انقلاب عسكري ضده، وخاصة بعد 2015 حين تصاعدت المطالبات بأن يتنازل البشير عن فكرة إعادة انتخابه. والأمر الآخر هو اعتماد الجيش على سلاح الطيران والمسيرات إلى حد كبير، لكن الجيش في مناطق غرب السودان عانى بالإضافة إلى تحييد سلاح الطيران بشكل كبير بعد حصول الدعم السريع على مضادات أرضية.

كما أن الجيش لديه مشكلة مع حلفائه السياسيين الذين يعيدون إنتاج الحرب بشكل أو بآخر، كما يعيدون بلورة الخطاب السياسي الداعم للحرب على أساس أنها حرب ضد متمردين، في حين أن هؤلاء المتمردين كانوا جزءًا من السلطة في وقت سابق، وبالتالي لا يمكن تصنيف هذا الصراع إلا بأنه صراع على السلطة وعلى الموارد.

وأيضًا هناك مشكلة تفكك المجال العام وانعدام الوسطاء الوطنيين، لأن هذا الصراع تم تعميقه بغياب كافة القوى الوطنية، حيث القوى المدنية منهارة إما بانقسامات أوملاحقات أمنية، وبجانب ذلك  الغياب الكامل لهياكل الدولة من برلمان وغيرها، ولا توجد أي مؤسسات تستطيع أن تقوم بأدوار التحكيم والفصل السياسي، مما أعطى مساحة واسعة لصعود القبيلة. وهذا الصعود كان له مقدماته في فترة الرئيس البشير، كما ذكر الدكتور الباحث عبد الرحمن الغالي "قبلنة السودان"، وهو تعبير في محله. ويوجد عدد من الاتجاهات في السياسة العامة ساهمت في قبلنة السودان بشكل أو بآخر، فبات للقبيلة دور كبير في التفاعلات الراهنة.

وقد مارس النظام السابق بتشابكاته الأمنية والعقائدية والتنظيمية  دورًا محوريًا في تغذية ديناميات هذه الحرب، بمعنى أن أحد سفراء السودان في دولة رواندا أتى بشخص هدد الرئيس البرهان بقطع رقبته بالسيف إذا أقدم على التفاوض. وهذا سفير لدولة في دولة أخرى عمل تجمعًا جماهيريًا وحدثت فيه مثل هذه التصريحات، وهذا مشهد صعب للغاية ويثير الأسى.

وأيضًا كان كوادر الحركة الإسلامية وقياداتها السابقة دور أساسي في هذا الصراع. والحقيقة أن بعض أعضاء المجلس السيادي في المرحلة الديمقراطية، وقبل تصعيد الاتجاهات نحو الحرب، حاولوا أن يقوموا  ببلورة مبادرة لنزع فتيل الأزمة، فذهبوا إلى الإسلاميين المعتدلين، فقال لهم أحدهم: "قبل 15 إبريل شيء وبعد 15 إبريل شيء آخر"، وهذا يعني أن فكرة الاعتدال فيها مساحة كبيرة من الشكوك.

وبالتالي توجد أطراف ساعدت في تغذية ديناميات الحرب وتصعيدها بشكل كبير. والكتل المدنية، نتيجة لخلل بنيوي في تقديري، لا تستطيع أن تصنع جبهة ضد أو حتى توافق رغم المخاطر التي تواجهها الدولة على المستوى الوجودي و المآسي التي يواجهها البشر على المستوى الإنساني، وكل ذلك لم يكن دافعًا لبلورة هذه الرؤية رغم خطورتها. وانقسموا أكثر من انقسام، ودائمًا ما أقول أن الحالة الثورية السودانية لديها سمة ثأرية دائمًا، خصوصًا بين الإسلاميين والشيوعيين، وهو مأزق كبير جدًا. وقد دعت إحدى قيادات الحركة الإسلامية، ثناء حمد، إلى حوار شامل بين الشيوعيين والإسلاميين، وأظن أن مثل هذه المبادرات مطلوبة حتى لو لم تستقبل بشكل مناسب في المراحل الأولى للمبادرات.

ويوجد انهيار إنساني، أعتقد أنه وقود لاستمرار الحرب، حيث يوجد نزوح وانتقال من أراضٍ لأخرى ومن بلاد لأخرى، وهذا يسهل التجنيد والاستقطاب السياسي، وهذا ما يفسر الاستقطاب الكبيرة على المستوى السياسي،  لأن جزءًا أساسيًا منه البحث عن مصدر الرزق "أكل العيش" بعد فقده بسبب الحرب.

النقطة الثانية في هذه المداخلة مرتبطة بحدود الدور الأمريكي، ونستطيع أن نقول أن الإدارة الأمريكية الديمقراطية إلى حد كبير لم تكن مهتمة بفكرة تهدئة الصراع السياسي في السودان أو فكرة وقف الحرب، وكانت تتعامل مع هذا الملف بشكل هامشي، ولم يكن لديها فهم صحيح لديناميات الصراع، وكانت منحازة لأفكار تقليدية بشأن الحكم المدني والانتقال الديمقراطي، وهذا ليس مرفوضًا، ولكن آليات تحقيق ذلك في دول العالم الثالث تكون مختلفة ولها جدول زمني محدد ، وبالتالي لم يكن هناك فهم حقيقي. وأيضًا كان يوجد انحياز لقوى إقليمية موجودة وقوى إقليمية أخرى ليست موجودة.

ومن ثم، أستطيع أن أقول أن الولايات المتحدة أصبحت تهتم بالأزمة السودانية مع تعيين المبعوث الخاص في فبراير 2024، حيث بدأ تكثيف الاهتمام بهذا الملف والجولات الأمريكية في كل الدول العربية، وخصوصًا في مصر، وتبلورت رؤية حول خلق منصة تفاوضية، وهذه المنصة المكون الرئيسي لها هو اتفاق جدة، وتم توسيع الرعاة لتكون مصر والإمارات بينهم وأيضًا منصة أخرى وهي سويسرا، وبُذل فيها جهد كبير. ولكن الحقيقة أن القوى ذات الصلة بالنظام القديم المرتبطة بالجيش تسببت في عرقلة هذه المسألة، ووصلت الأمور لمطالبة حضور الجيش حتى لو وصل الأمر للزووم. وأيضًا بعد ذلك حصل مؤتمر لندن إبريل 2025 وكانت محاولة لمنصة تفاوضية ولم يسفر عن شيء، وخاصة أن الخلاف بين مصر والإمارات أصبح واضحًا.

وقد تسبب تغير الإدارة الأمريكية في تقليل الاهتمام وتعطيله، وفي هذا التوقيت لجأت الإدارة الأمريكية لسلاح العقوبات، ونعرف تمامًا أن سلاح العقوبات سلاح ضعيف وبلا آليات تنفيذية، وخصوصًا أن اقتصاديات الحرب خارج أي أنظمة شرعية أو مصرفية، وبالتالي لا نستطيع التعويل عليه. ولم يكن الدولار الأمريكي في إطار التفاعل الإقليمي وجهة نظر في مسارات إنهاء الحرب، وكان بؤسس  رؤيته من الأطراف الإقليمية المختلف عليها .

وآخر محاولة هي اللجنة الرباعية، وفي سبتمبر الماضي أُصدر بيان بشأن هدنة إنسانية تبقى الأوضاع بموجبها على ما هو عليه حتى يتم إغاثة الناس، على أساس أنه مع وقف إطلاق النار ربما يكون هناك تفاوض. ومن سبتمبر حتى الآن استنفذت رؤية اللجنة الرباعية تيار الإخوان وبدأ الضغط عليهم على اعتبار أنهم يمثلون نوعًا من أنواع الوقود للحرب. والمتغير الجديد أنه ربما الأمم المتحدة تلعب دورًا مختلفًا، وخاصة مع موقفها من الدعم السريع متأثرة بالصدمة الدولية التي حصلت نتيجة احتلال الفاشر وما تضمنه من أفعال غير إنسانية.

وبالتالي، ماذا عن حدود الدور الأمريكي للضغط على الأمم المتحدة؟ وهذه مسألة تحتاج إلى وقت وتحتاج إلى النظر فيها، وخاصة أن الإمارات لديها القدرة على الضغط لدى الإدارة الأمريكية. وماذا عن الدور الذي تريد الإدارة الأمريكية أن يلعبه الدعم السريع أو لا يلعبه، وخاصة أن موقف الولايات المتحدة من الدعم السريع غير حاسم؟ وعندي تقدير أنه ربما يستخدم استخدامات سياسية ضد المركز أو  ضد مصر، حيث أنه لا يوجد وضوح كامل في  موقف الولايات المتحدة تجاه الدعم السريع. إذا صدر قرار باعتباره منظمة إرهابية، فيكون قد حسم الأمر بشكل كبير، أما إذا تأخر فسنرى أن الأزمة مستمرة، وربما قد تحدث هدنة إنسانية، وخاصة مع زيارة وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي الأخيرة في السودان.

ولكن بالتأكيد هذه الحرب قد أثرت على السودان سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ولن يعود السودان كما كان، وسيكون هناك مشكلات خاصة بالنسيج الاجتماعي. ولا أرى أن السودانيين قادرون على دعم هذا النسيج إلا إذا كنا أمام استثناء، ويكون هناك "مانديلا سوداني" يطرح طرحًا للمصالحة  وإجراءات للعدالة الانتقالية، وخاصة أنه لا توجد تجربة تشبه أخرى في العدالة الانتقالية. ورغم هذا، فلا أدعم هذا الاحتمال إلا بنسبة 30%.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء