رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إحياء "اتحاد المغرب العربي": طموحات كبرى تصطدم بجدار الخلافات

قمة الاتحاد المغاربي
قمة الاتحاد المغاربي 2014 - أرشيفية

جدّد الرئيس التونسي الأسبق، محمد المنصف المرزوقي، دعوته اليوم، الموجهةً إلى المؤسسات التشريعية المغاربية (برلمانات المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا) من أجل تفعيل وإحياء الاتحاد المغاربي، مقترحًا اعتماد مسار برلماني يسعى لإنجاز تكامل مغاربي ملموس، بهدف تجاوز حالة الجمود الناجمة عن "الصراع الجزائري-المغربي"، وفتح آفاق جديدة تسهّل حياة المواطنين بدلاً من استمرار العبء الناتج عن الانقسام.

ورغم مرور عقود على تأسيسه، يعود ملف "اتحاد المغرب العربي" إلى الواجهة من جديد، وسط مطالبات شعبية ونخبوية متصاعدة بضرورة تفعيل التكتل الإقليمي الذي يضم دول المنطقة الخمس، لا سيما أن الموقع الجيوسياسي للدول المغاربية والمقومات المشتركة الكبيرة يجعل من تفعيل الاتحاد خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لمواجهة التحديات الراهنة.

  محمد السادس - ملك المغرب
  محمد السادس - ملك المغرب

السياق التاريخي والواقع الحالي للجمود

تأسس اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989 بمدينة مراكش، كحلم طموح لتوحيد دول المنطقة الخمس في تكتل إقليمي واحد، حيث نصت معاهدة الإنشاء على أهداف استراتيجية، أبرزها تحقيق حرية تنقل الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال بين الدول الأعضاء، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين الاقتصادية والأمنية والثقافية، بهدف تعزيز رفاهية شعوب المنطقة وبناء قوة تفاوضية إقليمية.

لكن سرعان ما اصطدم هذا الطموح بواقع الخلافات السياسية البينية، حيث توقفت اجتماعات مجلس الرئاسة (القمة)، وهي أعلى هيئة في الاتحاد، منذ عام 1994، بعد انعقاد آخر دورة في تونس. ومنذ ذلك التاريخ، دخل التكتل مرحلة "الجمود المؤسساتي"، ليصبح كيانًا شبه معطل لا يمارس مهامه المنوطة به، رغم استمرار وجود الأمانة العامة وبعض اللجان الفنية بشكل محدود، ما كرّس الفشل في تحويل التطلعات التكاملية إلى واقع ملموس.

صورة تاريخية للأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي - أرشيفية
صورة تاريخية للأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي - أرشيفية

ويعود السبب الجذري لهذا التعطيل بشكل أساسي إلى توتر العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء، إذ أدى تراكم الخلافات السياسية وعدم القدرة على الفصل بين النزاعات الثنائية وأهداف التكامل الإقليمي إلى شلّ آليات العمل الجماعي، ما أدى إلى بقاء الحدود مغلقة بين أكبر اقتصادين في المنطقة وتكبيد شعوب المغرب الكبير خسائر اقتصادية وأمنية جسيمة جراء الفرص الضائعة.

تغيرات إقليمية تفرض عودة الاتحاد المغاربي

تمتلك دول المغرب العربي مقومات ضخمة تدعم مشروع التكامل الاقتصادي، تتجاوز الوحدة اللغوية والدينية والثقافية المشتركة؛ فالموارد الطبيعية المتنوعة، والموقع الاستراتيجي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى سوق استهلاكية واسعة ونسبة كبيرة من الشباب، كلها عوامل يمكن أن تدفع المنطقة إلى مصاف التكتلات العالمية المؤثرة.

لذلك، فإن إزالة الحواجز الجمركية وتحقيق حرية انتقال الأفراد ورؤوس الأموال سيؤديان إلى قفزة نوعية في معدلات النمو والحد من البطالة والفقر.

 عبد المجيد تبون -  الرئيس الجزائري
 عبد المجيد تبون -  الرئيس الجزائري

لكن، لم يعد التحدي مقتصرًا على الجانب الاقتصادي فحسب، بل باتت التحديات الأمنية والإقليمية تفرض نفسها بقوة على الأجندة المغاربية. فظواهر مثل الإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، إلى جانب قضايا الهجرة غير النظامية، كلها ملفات تتطلب استراتيجية إقليمية موحدة ومنسقة لمواجهتها. ويُجمع المحللون على أن العمل الانفرادي لم يعد كافيًا لضمان استقرار وأمن المنطقة في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

مبادرات ثنائية ومتعددة الأطراف كبديل مؤقت

في ظل الجمود المؤسساتي للاتحاد، تتجه بعض الدول المغاربية نحو تعزيز التعاون الثنائي أو تبني مبادرات إقليمية جديدة بعيدًا عن الإطار الجامد للاتحاد، مثل التركيز على مشاريع مشتركة في الطاقة أو الانضمام إلى تكتلات إفريقية أوسع.

هذه التحركات، ورغم أهميتها، إلا أنها لا تشكل بديلاً كاملاً للاندماج المغاربي الشامل الذي يحقق الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة للمنطقة بأسرها.

الاتحاد المغربي للصحفيين 
الاتحاد المغربي للصحفيين 

يظل الأمل في إحياء الاتحاد قائمًا بقوة لدى شعوب المغرب الكبير التي تتطلع إلى فضاء مفتوح يوحد التاريخ والمصير المشترك. لذا، فإن القادة أمام مسؤولية تاريخية تتطلب تجاوز الخلافات الثنائية والتركيز على المصالح الاستراتيجية العليا للأمة المغاربية، لفتح صفحة جديدة من التعاون تليق بمتطلبات المرحلة وتلبي طموحات الأجيال في التقدم والازدهار.

التحديات الجيوسياسية: جدار الخلافات يقيّد طموحات الوحدة

يظل التحدي الأبرز والأكثر تعقيدًا هو النزاع حول الصحراء الغربية، الذي يُعد حجر الزاوية في تجميد العلاقات بين القوتين الرئيسيتين في المنطقة، المغرب والجزائر. هذا الملف لم يقتصر تأثيره على العلاقات الثنائية فحسب، بل تحول إلى عقبة هيكلية تشل حركة التكتل بأكمله. إن عدم قدرة الدول على الفصل بين النزاعات السياسية العالقة والمصالح الاقتصادية المشتركة يضمن استمرار الجمود، حيث تتأثر كافة الاجتماعات والمبادرات المغاربية بحالة التصعيد أو التهدئة في هذا الملف الحساس.

كما أدى غياب الثقة السياسية وتكاليف الأمن المرتفعة خلال سنوات القطيعة وإغلاق الحدود إلى تآكل الثقة السياسية بين العواصم، ما صعّب أي محاولة لـ"إعادة تشغيل" الآليات المشتركة.

صورة تاريخية للأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي - أرشيفية
صورة تاريخية للأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي - أرشيفية

 

ويُضاف إلى ذلك التحدي الأمني المتمثل في الحاجة إلى تكاليف أمنية باهظة لمراقبة وحماية الحدود المغلقة بدلًا من استثمارها في التنمية المشتركة. كما أن عدم الاستقرار المزمن في ليبيا يمثل تهديدًا خطيرًا للأمن الإقليمي، حيث يفتح الباب أمام الجريمة المنظمة وتهريب السلاح، ما يفرض على دول الجوار (تونس والجزائر) تكريس جهودها الأمنية بدلاً من التنموية.

علاوة على ما سبق، يعاني الاتحاد المغاربي من ضعف آليات تسوية الخلافات الداخلية وغياب دور وساطة فعال يمكنه جمع الأطراف المتنازعة، إذ ترك هذا الفراغ الساحة مفتوحة أمام تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي قد لا تخدم مصالح الوحدة المغاربية، بل قد تستغل حالة التفكك لتعزيز أجندتها الخاصة.

ختامًا:

يُظهر واقع اتحاد المغرب العربي مفارقة صارخة بين عظمة الفرصة ومرارة الجمود؛ فبينما تمتلك دول المنطقة كافة المقومات الجغرافية والبشرية والاقتصادية للتحول إلى قطب إقليمي فاعل، تظل الإرادة السياسية رهينة للخلافات العالقة والنزاعات الثنائية التي مرَّ عليها عقود.

ومن ثم التحدي اليوم لم يعد يقتصر على إحياء الاتحاد فحسب، بل يتعداه إلى اتخاذ قرار تاريخي بالتغلب على كلفة الفرص الضائعة، وتلبية تطلعات الأجيال الجديدة التي ترى في التكامل المغاربي ليس مجرد شعار، بل ضرورة اقتصادية وأمنية لضمان استقرار وتقدم المنطقة في عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء