طارق البرديسي: الدور المصري أنقذ القضية الفلسطينية من التصفية |فيديو
قدّم الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، رؤية تحليلية معمّقة حول مستقبل القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الدور المصري دولةً وحكومةً وشعباً كان وما يزال السدّ المنيع الذي حال دون تصفية القضية في ظل تسارع الأحداث ومخططات الاحتلال، متناولًا محاور متعددة تتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني، وأهمية الوحدة الداخلية، إضافة إلى قراءة فكرية وسياسية لمسار الاحتلال ومحاولاته المستمرة لتفتيت الشعب الفلسطيني وتشويه هويته الوطنية.
مصر.. حماية الهوية الفلسطينية
استهلّ طارق البرديسي، خلال مداخلة هاتفية على قناة "إكسترا لايف"، حديثه بالتأكيد أن المشروع الوطني الفلسطيني قائم على تضحيات وصمود الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم وحقوقهم التاريخية، لكنه شدد على أن الجهة التي حافظت على هذه القضية من الاندثار هي مصر، وقال إن القاهرة تصدّت بكل قوة لمخططات التهجير، ووقفت في وجه المساعي الإسرائيلية الرامية إلى تفريغ الأرض من سكانها وإجهاض الهوية الفلسطينية.
وأوضح طارق البرديسي، أن مصر، عبر قيادتها وشعبها ومؤسساتها، لعبت دورًا مركزيًا في منع تمرير مشروع التصفية، وخصوصًا خلال السنوات الأخيرة التي شهدت محاولات متسارعة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في غزة والضفة والقدس، مبينًا أن الدولة المصرية تواصل الدفاع عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، الأمر الذي أعاد للقضية حضورها القوي في الوجدان العربي والدولي.
إسرائيل والتوسع عبر الأزمات
وأشار طارق البرديسي، إلى أن إسرائيل تستغل الأحداث المتسارعة في لبنان وسوريا والضفة وغزة لتعزيز مشروعها الاستيطاني التوسعي، معتبرًا أن الاحتلال يتحرك بمنطق "استثمار الفوضى"، حيث يتوسع في الأراضي عبر خلق وقائع جديدة على الأرض، معتمدًا على حالة الانقسام الفلسطيني.
وأشاد طارق البرديسي، ببدء تحولات واضحة في المواقف الأوروبية، حيث باتت دول مثل فرنسا وآيسلندا وبلجيكا وإسبانيا تعترف بدولة فلسطين أو تدعم حل الدولتين بوضوح، بعد أن كانت مواقفها أقرب للسياسات الإسرائيلية، فضًلا عن أن هذا التحول لم يكن ليحدث دون ثبات الموقف الفلسطيني وصمود المصريين الداعم للقضية.
الوحدة الوطنية ضرورة لا خيار
وشدد خبير العلاقات الدولية، على أن المرحلة الراهنة تستوجب إعادة تعريف الشعب الفلسطيني كنسيج سياسي واحد، وليس كجزر منفصلة تعيش همومًا متباعدة. وأوضح أن هذا ما قامت به مصر حين جمعت الفصائل الفلسطينية المختلفة في القاهرة لتقريب وجهات النظر، وتأسيس رؤية مشتركة تحفظ الحقوق وتواجه الاحتلال.
وأكد طارق البرديسي، أن الاختلافات الأيديولوجية والفكرية بين الفصائل يجب أن تُجمد في هذه المرحلة الحساسة، قائلاً: "ليس وقت الألوان والاختلافات… الوقت هو وقت فلسطين"، وأن تنوع الفصائل هو عنصر قوة وثراء، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف ما دامت الدولة الفلسطينية لم تُقم بعد، وأن الاحتلال يستغل هذه الانقسامات كذريعة لاستمرار التوسع ونهب الأراضي، مشددًا على أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا بل خيار إستراتيجي لا بديل عنه لحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
المشروع الصهيوني.. من الجدار الحديدي
واستعرض طارق البرديسي، جذور الفكر الصهيوني وكيف تطور من نظرية "الجدار الحديدي" لجابوتنسكي التي رسّخت الاعتماد على القوة الساحقة، إلى سياسة ديفيد بن جوريون التي اعتبرت القبول بالتقسيم خطوة تكتيكية نحو التوسع الكامل، وصولاً إلى أفكار نتنياهو وسموتريتش وبن غفير الذين يرون كامل أرض فلسطين وعدًا توراتيًا لا تنازل عنه، وأن الفلسطينيين يدركون هذه الحقائق، لكن الممارسات على الأرض تشير إلى غياب الوعي الجمعي الموحد، وهو ما يستغله الاحتلال لفرض مزيد من السيطرة وخلق واقع جديد يستحيل التراجع عنه.
وتوقف طارق البرديسي، عند أبرز محطات التفريط بالفرص التاريخية، مشيرًا إلى رفض الفلسطينيين المشاركة في مفاوضات كامب ديفيد الأولى رغم استعداد مصر لتمثيلهم، وهو ما أتاح الفرصة للاحتلال لتعزيز مكاسبه، لافتًا إلى أن غياب الموقف العربي الموحد ساهم في تعقيد المشهد وترك فراغًا استغلته إسرائيل لتوسيع نفوذها، خاصة بعد 7 أكتوبر، حيث باتت تحتل أكثر من 50% من الضفة الغربية، مع استمرار عمليات الهدم والاستيطان بلا توقف، وأن الاحتلال ينفذ سياسته وفق منظومة "خطوة بخطوة"، وهي ليست مجرد سياسة تفاوضية، بل خطة تدرّجية للسيطرة الكاملة وتحويل أي خسارة فلسطينية إلى مكسب إسرائيلي جديد.

العودة إلى الوعي الحضاري
وفي ختام حديثه، شدد طارق البرديسي، على ضرورة أن يعود الفلسطينيون والعرب إلى مخزونهم الحضاري والتاريخي في مواجهة التحديات، مستشهدًا بنظرية "التحدي والاستجابة" لتوينبي التي تؤكد أن الأمم تنهض حين تستعيد جذورها وقيمها في مواجهة الأخطار الوجودية، مؤكدًا أن الطريق نحو دولة فلسطينية مستقلة يبدأ من وحدة الموقف الفلسطيني وتفعيل الدور العربي بقيادة مصر، باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على حماية الهوية الفلسطينية ومنع تصفيتها أمام المشروع الاستيطاني الأكبر في تاريخ المنطقة.