رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التزامات بـ 29 مليار دولار والمواطن يأن

كيف تتحرك موازنة مصر بين الفوائد والأقساط في 2026؟| خاص

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 كشف البنك المركزي المصري أن خدمة الدين الخارجي، والتي تتزوع بين فوائد وأقساط، ستصل في عام 2026 إلى نحو 29.18 مليار دولار، بزيادة تتجاوز مليار دولار عن تقديرات سابقة، إلا أن الرقم وحده كفيل بأن يضع ملف الدين على رأس أولويات الملف الاقتصادي، خصوصًا مع استمرار التقلبات العالمية التي ترفع تكلفة التمويل وتزيد من حساسية الأسواق الناشئة لأي صدمة اقتصادية.

مصر ستدفع 29 مليار دولار عام 2026

وأوضح التقرير الذي أطلعت إيجبتك على نسخة منه، أن مدفوعات أصل الدين ستبلغ 23.79 مليار دولار، بينما تصل مدفوعات الفوائد إلى 5.4 مليارات دولار؟

وفي المقابل، سجلت مصر سدادًا فعليًا خلال التسعة أشهر الأولى من العام المالي 2024/2025 بلغ 30.1 مليار دولار، تضمنت 24.3 مليار دولار كأصل دين و5.8 مليارات دولار فوائد.

ضغوط عالمية متراكمة… وكلفة اقتراض تتصاعد

المشهد لا ينفصل عن السياق الدولي، السياسات النقدية المتشددة في العالم رفعت أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية، ما جعل تكلفة الاقتراض بالدولار أكثر قسوة على الدول التي تعتمد على التمويل الخارجي، إذ يسجل سعر الفائدة على الدولار نحو 4%. وفي ظل استمرار رفع الفائدة الأمريكية وتذبذب حركة رؤوس الأموال، أي دولة ذات عبء دين كبير ومصر من بينها يمكن أن تواجه صعوبة في إعادة تمويل التزاماتها دون كلفة إضافية.

ويضيف تراجع سعر الجنيه أمام الدولار بعدًا آخر للأزمة، فمعظم الدين الخارجي مقوم بالعملة الصعبة، وأي انخفاض للجنيه يتحول مباشرة إلى عبء إضافي على الميزانية، مع احتمالات زيادة تكاليف الاستيراد للسلع الأساسية والطاقة.

إعادة تشكيل خريطة الدين… الحكومة تتحرك

أشارت وزارة المالية في بيانات سابقة إلى انخفاض مديونية الجهات السيادية خلال العامين الأخيرين بمعدل يتراوح بين مليار وملياري دولار سنويًا، في خطوة تهدف لتخفيف الضغط على الموازنة، كما ارتفع متوسط آجال الدين العام، بما يعني إطالة فترات السداد وتقليل الحاجة لتمويلات قصيرة الأجل.

إلى جانب ذلك، تتجه الحكومة نحو تنويع أدوات التمويل، بما يشمل التوسع في إصدار الصكوك والسندات المحلية، وتقليل الاعتماد على القروض الخارجية ذات التكلفة المرتفعة، لتمنح التحركات الموازنة متنفسًا، لكنها ليست ضمانًا لحل جذري ما لم يصاحبها نمو اقتصادي قوي قادر على توليد موارد دولارية مستقرة.

خدمة الدين الخارجي مرشحة للزيادة إلى 24.6 مليار دولار بنهاية 2026 - نافذة  مصر
الدولار

سداد القروض إلى أكثر من تريليوني جنيه

في ظل الضغوط المالية العالمية وارتفاع تكاليف الاقتراض، تكشف الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2025/2026 عن واحدة من أكبر موجات سداد القروض في تاريخ المالية العامة المصرية، حيث تستعد الحكومة لسداد التزامات محلية وأجنبية تتجاوز 2 تريليون جنيه خلال العام، ويعكس هذا المستوى المرتفع من السداد رغبة الدولة في خفض أعباء الدين وتعزيز الانضباط المالي، رغم التحديات المرتبطة بتذبذب أسعار الفائدة عالميًا واستحقاقات الديون قصيرة ومتوسطة الأجل.

تشير البيانات إلى أن إجمالي مخصصات سداد القروض المحلية والأجنبية في موازنة 2025/2026 ارتفع إلى 2.084 تريليون جنيه، مقارنة بـ 1.6 تريليون جنيه في العام المالي السابق 2024/2025. ويُعد هذا الارتفاع استمرارًا لمسار تصاعدي امتد على مدار السنوات الخمسة الأخيرة، حيث سجلت المخصصات نحو 524.9 مليار جنيه في 2021/2022، ثم ارتفعت إلى 869.1 مليار جنيه في 2022/2023، وقفزت إلى 1.2 تريليون جنيه في 2023/2024، قبل أن تصل إلى 1.6 تريليون جنيه في 2024/2025، وصولًا إلى مستوى يتجاوز التريليوني جنيه لأول مرة في 2025/2026.

توزيع مخصصات سداد القروض المحلية

ووجه الجزء الأكبر من مخصصات سداد القروض إلى التزامات محلية، حيث تبلغ قيمة سداد القروض والاستهلاك المحلي للأوراق المالية نحو 1.6 تريليون جنيه، وتشمل هذه المخصصات سداد سندات على الخزانة بنحو 768.5 مليار جنيه، إضافة إلى 23.3 مليار جنيه سدادًا لقروض خارجية معاد إقراضها عبر وزارة المالية، إلى جانب 809.2 مليار جنيه من مصادر أخرى، فضلاً عن 155 مليون جنيه موجهة لالتزامات مرتبطة ببنك الاستثمار القومي.

مخصصات سداد القروض الأجنبية

أما فيما يتعلق بسداد القروض الأجنبية واستهلاك الأوراق المالية المقومة بالعملات الأجنبية، فقد رصدت الموازنة مخصصات بقيمة 483.2 مليار جنيه خلال العام المالي 2025/2026. وتشمل هذه القيمة نحو 482.2 مليار جنيه لسداد القروض الأجنبية، موزعة بين أقساط الدين العام الخارجي البالغة 481.1 مليار جنيه، إضافة إلى 2.1 مليار جنيه أقساطًا خارجية تسددها بعض الجهات الحكومية.

مسار تصاعدي ثم هبوط ملحوظ

وتظهر البيانات الرسمية أن مخصصات سداد القروض الأجنبية شهدت نموًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، حيث بلغت 114.5 مليار جنيه في 2021/2022، ثم ارتفعت إلى 125.4 مليار جنيه في 2022/2023، وقفزت بشكل حاد إلى 382.7 مليار جنيه في 2023/2024، ثم تضاعفت تقريبًا لتصل إلى 627.9 مليار جنيه في 2024/2025، قبل أن تتراجع مرة أخرى إلى 483.2 مليار جنيه في موازنة العام الحالي 2025/2026، ويشير هذا التراجع إلى انحسار جزء من الاستحقاقات الخارجية بعد ذروة السداد في العام الماضي، مع استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف خدمة الدين الخارجي عالميًا.

هل تكفي هذه الخطوات أمام العاصفة؟

برغم أهمية الخطوات الحكومية، يبقى السؤال الأكبر، هل يستطيع الاقتصاد المصري تحمل الارتفاع المستمر في أعباء خدمة الدين في ظل تراجع عائدات بعض المصادر الدولارية وعلى رأسها التحويلات والسياحة، وارتفاع فاتورة الاستيراد؟

الدماطي: النسبة “آمنة جدًا” مقارنة بدول كبرى

أكدت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية والاقتصادية، أن نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي الإجمالي تبلغ نحو 41% فقط، وهي نسبة وصفتها بأنها «آمنة جدًا» إذا ما قورنت باقتصادات كبرى مثل اليابان التي تتجاوز ديونها 250%، والولايات المتحدة التي تتخطى 100%.

وأضافت الدماطي، في تصريحات خاصة لـ إيجبتك، أن الدولة تتابع مؤشرات الدين بشكل دقيق، وتتخذ خطوات حذرة لضمان بقائه ضمن الحدود الآمنة، ما يعكس – بحسب وصفها – إدارة مالية مسؤولة ومتوازنة.

أداء مالي مبشر رغم الظروف العالمية

وأشادت الدماطي بإدارة الحكومة لملفات الدين والإيرادات والسياسات المالية، مؤكدة أن الأداء المالي العام لمصر «مبشر» رغم الضغوط العالمية، وقالت إن وزارة المالية تتعامل باحترافية عالية تحافظ على استقرار الاقتصاد الوطني حتى في أصعب الظروف.

النحاس: المقارنة غير عادلة.. ومشكلة التمويل الذاتي قائمة

على الجهة الأخرى، يرى وائل النحاس، المستشار والخبير الاقتصادي، أن مقارنة مصر بدول مثل اليابان والولايات المتحدة «غير عادلة»، لأن هذه الاقتصادات لديها قدرات تمويلية وصناعية ضخمة تمكّنها من تحمل مستويات ديون مرتفعة.

وأوضح النحاس، في تصريحات خاصة لـ إيجبتك، أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف القدرة على التمويل الذاتي داخل الاقتصاد المصري، بالإضافة إلى عدم القدرة على تعظيم الموارد من خلال التصنيع والتصدير، وهو ما يجعل مستويات الدين أكثر حساسية مقارنة بالدول ذات القاعدة الإنتاجية الأقوى.

ويتمثل التحدي الأكبر في قدرة الدولة على إدارة الوقت بين سداد الالتزامات ومحاولة تثبيت السوق المالي، دون اللجوء لإجراءات قد تصيب المواطن مباشرة، مثل رفع أسعار الخدمات أو تخفيض الدعم.

هيكلة الدين .. مخاطر وحلول 

مع ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي، اتجهت الحكومة إلى هيكلته ليكون أكثر من 80% بسداد طويل الأجل، إذ شكل 80.8% بنهاية الربع الثالث من العام المالي 2024/2025، مقارنة بـ 80% في الربع الثاني و82.2% في الربع الأول. 

بينما تراجعت نسبة الدين الخارجي قصير الأجل لتنحسر عند 19.2% من إجمالي الدين الخارجي بنهاية الربع الثالث، مقابل 20% في الربع الثاني و17.8% في الربع الأول، وهو ما يعكس استقرارًا نسبيًا في مستوى الديون قصيرة الأجل.

ويقول الدكتور رائد سلامة، الباحث الاقتصادي وزميل كلية المحاسبين القانونيين الأمريكية، ومقرر مساعد لجنة التضخم وغلاء الأسعار بالحوار الوطني: الموضوع لا يكون جيدًا أو سيئًا بحد ذاته، لكن المهم نقطتان، تحديد جدول السداد بمرونة وفقًا لوجهة نظر الدولة، وربطه بموارد حقيقية تمكن من الوفاء به".

وأضاف سلامة في حديثه مع إيجبتك أنه من المهم جدًا أن يكون جدول السداد مرتبطًا بخطط التنمية الحقيقية التي تدر دخلًا يغطي الالتزامات المالية، بمعنى أننا يجب أن ندخل مفاوضات لإسقاط الديون أو جدولتها أو تأجيلها بما يتيح تنفيذ مشروعات التنمية.

وتابع: "إذا كان من المتوقع اكتشاف موارد طبيعية جديدة مثل الغاز الطبيعي، يمكن ربط جدول السداد بهذه الموارد بحيث يبدأ الوفاء بالديون من تاريخ توفر هذه الموارد، وليس مجرد التفاوض لحفظ الديون فقط".

وأكد سلامة أن ربط الديون بموارد قائمة أو افتراضية لا يحقق الهدف، مشيرًا إلى أن الموارد الحقيقية هي التي تدر دخلًا فعليًا على الدولة وتخفف الضغط عن الموازنة العامة، مضيفًا: "المهم ألا نترك الأجيال القادمة تتحمل أعباء جديدة، بل نربط السداد بالموارد الجديدة التي ستتوافر لهم".

مدبولي: انخفاض التضخم إلى 8% خلال النصف الثاني من 2026
أوراق مالية مع مواطنين 

انعكاسات مباشرة على المواطن

قد تبدو أرقام الدين بعيدة عن المواطن، لكنها تنعكس عليه في صورة أسعار الوقود، الكهرباء، المنتجات الأساسية، وحتى جودة الخدمات العامة، فكل زيادة في كلفة الاقتراض الخارجي تعني ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة، وبالتالي احتمالات تحريك أسعار السلع والخدمات.

ويظل ملف الدين الخارجي أحد أكثر الملفات حساسية، فـ بين محاولات مستمرة لإعادة الهيكلة، وزيادة الاعتماد على التمويل المحلي، وضغوط عالمية لا تهدأ، لكن النجاح الحقيقي يقاس بقدرة الحكومة على تخفيف العبء عن المواطن، وتوفير استقرار اقتصادي يتيح للدولة الوفاء بالتزاماتها دون أن يدفع الناس الثمن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء