سوريا بين الواقع والمآلات.. قراءة نيفين مسعد في نقاشات مركز «باستيت»
في اللحظة التي تتقاطع فيها الأسئلة الكبرى مع الضباب الكثيف الذي يغلف المشهد السوري، ووسط مشهد إقليمي تتزاحم فيه الأسئلة وتتسارع فيه التحولات، اختارت الدكتورة نيفين مسعد، أن تفتح بابا جديدًا للنقاش عبر مقال يستعرض جهود مركز «باستيت» للدراسات السياسية والاستراتيچية، الذي وضع بصمته سريعا على خريطة التفكير السياسي العربي رغم حداثة عهده.
في مقالها المنشور بعنوان "سوريا «الجديدة» بين الواقع والمستقبل"، بصحيفة الأهرام، تتوقف الدكتورة نيفين مسعد، أمام الندوة التي خصصها المركز للحالة السورية، لافتةً إلى أنها لم تكن مجرد حلقة نقاشية، بل مساحة اشتباك معرفي بين خبرات دبلوماسية وأصوات معارضة وباحثين متخصصين، اجتمعوا ليقرأوا واقعًا تتداخل فيه ظلال الداخل والخارج، وتتنازع مستقبله سيناريوهات لا تزل قيد التشكل.
ومن خلال هذا التناول، تضع الدكتورة نيفين مسعد، القارئ أمام لوحة مركبة لسوريا «الجديدة»، بنجاحاتها الخارجية وتعثراتها الداخلية، وبأسئلتها المفتوحة التي لا يكفي للقبض عليها سوى طرح هادئ، عميق، ومسؤول.. وإلى نص المقال:
سوريا «الجديدة» بين الواقع والمستقبل
فى إطار سلسلة الحلقات النقاشية التى ينظمها مركز باستيت للدراستات السياسية والاستراتيچية ـــ خصّص المركز حلقة بعنوان» سوريا: الواقع الراهن وآفاق المستقبل». ورغم حداثة عُمر المركز المنبثق عن مؤسسة أكبر على رأسها الإعلامية البارزة قصواء الخلالي، إلا أن المركز تمكّن من إثارة نقاش معمّق حول عدد من أهم القضايا العربية والإقليمية والدولية، واستّن سُنّة جيدة بحرصه قدر الإمكان على أن يكون فى كل ندوة صوت مسموع من داخل كل حالة، إيمانًا بأن أهل مكة أدرى بشعابها.
وفى هذا السياق أتيحت لى فرصة المشاركة فى ندوة عن سوريا أدارها باقتدار كالمعتاد مدير المركز وأستاذ العلاقات الدولية المرموق الدكتور أحمد يوسف أحمد، وقدَم المداخلة الرئيسية فيها السفير رمزى عز الدين رمزى، صاحب الخبرة العميقة فى التعامل مع الملّف السورى، كنائب للمبعوث الأممى الأسبق لسوريا، وتولّى التعقيب عليه الأستاذ هيثم منّاع، الذى قدم زاوية تحليلية لا تقل ثراءً كعضو مؤسّس للكتلة الوطنية السورية الجديدة المعارضة، والسفير حازم خيرت، الذى عمل سفيرًا لمصر لدى الجمهورية العربية السورية فى مرحلة شديدة الأهمية فى تاريخ العلاقة بين الدولتين، والباحث الممتاز أحمد كامل البحيرى المتخصص فى الشأن السورى بكل تفاصيله.
توافق المشاركون على أن الغموض الداخلى والخارجى الذى أشار اليه السفير رمزى، فى بداية مداخلته ونهايتها ــــ يحكم بالفعل الواقع السورى وآفاقه المحتملة، ويرجع ذلك إلى أن هناك العديد من التطورات التى مازالت قيد التشكيل تتحكم فى سيناريوهات المستقبل السوري.
وكمثال فإن علاقة النظام «الجديد» تحسنَت مع روسيا كما اتضح من زيارة الرئيس الانتقالى لموسكو، لكن ملامح هذا التحسّن والترتيبات المرتبطة باستمرار الوجود العسكرى الروسى على الأراضى السورية لم تتبلور بعد.
ولو انتقلنا إلى "الرعاة الإقليميين للنظام الجديد" لوجدنا اختلافًا من شأنه الانعكاس على إرباك السياسات الداخلية للرئيس الانتقالي، فبينما أن هناك طرفًا يدعم تنظيم الإخوان، يوجد طرف آخر يرفض أى دور للإخوان فى مستقبل سوريا.
هذا مع العلم بأن علاقة الرئيس الانتقالى بهذا التنظيم هى علاقة يمكن وصفها فى الحد الأدنى بأنها علاقة متوترة، وقد سبق لأحمد الشرع، أن اتهم الإخوان فى يونيو عام 2024 أى قبل ستة أشهر فقط من سقوط العاصمة دمشق، بأنهم كانوا وراء تأجيج الأوضاع فى مدينة إدلب.
ومع أن ندوة سوريا انعقدَت قبل أن يصنّف الرئيس الأمريكى إخوان مصر والأردن ولبنان كجماعات إرهابية، إلا أن هذا القرار الأمريكى يزيد فى تعقيد الموقف داخل سوريا، لأن استثناءه إخوان سوريا من التصنيف المشار إليه سيرضى طرفًا إقليميًا (تركيا بالأساس) ويغضب طرفًا آخر (السعودية)، وكلا الطرفين من حلفاء الولايات المتحدة ودورهما مطلوب لإنجاح التجربة السورية.
وفى قلب ضبابية المشهد يأتى موقف الرئيس الانتقالى من قرار مجلس الأمن رقم 2254 والذى صدر بإجماع الآراء في ديسمبر 2015، وذلك لأن هذا القرار الذى ينظم مرحلة ما بعد بشار الأسد ينطوى على إدانة صريحة للتنظيمات الإرهابية ويسميها. وبينما لا يرضى أحمد الشرع عن مقاربة الأمم المتحدة للحرب السورية، إلا أنه سيجد نفسه مضطرًا للتفاهم معها حول القرار 2254 والنظر فى بعض فقراته التى تجاوزتها الأحداث أو التى تحتاج إلى تطوير. وبطبيعة الحال فإن انضمام سوريا إلى التحالف الدولى ضد داعش مثله مثل الموقف من الإخوان سيُرضى قوى ويغضب أخري. هذا دون الحديث عن غموض موقف الاتفاق الأمنى مع إسرائيل.
لكن على الرغم من ضبابية الصورة بشكل عام، إلا أنه كان هناك اتفاق على وجود نجاح نسبى للنظام الانتقالى فى علاقته بالخارج، وتعثر شديد فى علاقته بالداخل، مع تأكيد أن الداخل هو الذى سوف يحسم اتجاه التطور خلال فترة لن تطول. وعلى المستوى الشخصى فإننى أثق فى دروس التاريخ التى تقول إن الخارج من الممكن أن يصنع الواقع، لكن الداخل هو الذى يتحكم فى مدى استدامة الواقع.
وفى هذا الاتجاه ذكر هيثم منّاع، أن تخطيط «النظام الجديد» لإجراء انتخابات بعد خمس سنوات يفترض أن كل شيء سيبقى على ما هو عليه، وهذا افتراض خاطئ لعدة أسباب لن تسمح باستمرار الوضع الراهن، منها تسريح عشرات الآلاف من العمال فى المدن الكبرى بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وتهميش المحسوبين على النظام السابق وإن لم تتلوّث أياديهم بالدماء، والإضرار بالمصالح الاقتصادية للبورجوازية التجارية.
وعلى الرغم من الدعم الإقليمى للحكم «الجديد» إلا أن عدم إلغاء قانون قيصر يؤثر على فرص الاستثمار وتوفير فرص عمل جديدة، و كذلك قال أحمد كامل البحيرى، كلامًا مهمًا عن خطورة ترييف المدن بانتقال نخبة إدلب لحكم دمشق، وعن الصراع السني- السنى المحتمل بسبب حكم جماعة ينتمى معظم عناصرها للمذهب الحنبلى على عكس غالبية الشعب السورى التى تتوزّع ما بين الحنفية والشافعيّة.
وإذا أضفنا لذلك سوء إدارة ملف التنوّع الديموجرافى وانتفاضات الأقليات بشكلٍ متتالٍ وأحيانًا متقاطع والتدخل الإسرائيلى المغرض فى هذا الملف ودور المقاتلين الأجانب فى تأجيجه، فإن الوضع فى الداخل يبدو شديد الصعوبة.
أفتح هنا قوسين لأقول إن نقاشًا واسعًا دار حول ما ذهب إليه السفير حازم خيرت، من أن هناك تيارًا كبيرًا فى سوريا مازال متفائلًا بـ «النظام الجديد»، من منطلق أن زهوة الاحتفال بإسقاط نظام بشار الأسد تبددَت بعد ثلاثة أشهر كما ذكر هيثم منّاع.
كذلك ثار النقاش حول انتقاد هيثم منّاع، لسياسات دول منها مصر تجاه الملف السوري- باعتبارها تدرك خطورة ما يجرى فى سوريا لكن تتحفظ فى فتح قنوات تواصل مع المعارضة السورية. والحقيقة أن مصر تبدو وكأنها الدولة الوحيدة التى تسبح ضد سياسات الهرولة الإقليمية والدولية الداعمة لنظام الحكم «الجديد» فى سوريا، وذلك انطلاقًا من التزامها بالمبادئ الحاكمة لسياستها الخارجية .
وترجمة ذلك هى أن مصر تتعامل بحذر مع الملف السورى على نحو يوازن بدقة ما بين مصالحها الوطنية من جانب والواقع القائم من جانب آخر، وهى نقطة كانت واضحة تمامًا فى تعقيب دكتور أحمد يوسف أحمد.
إن ندوة واحدة عن سوريا«الجديدة» لا تكفى بالتأكيد، وكما ظهر فى ندوة مركز باستيت، فإن هناك العديد من التطورات فى انتظار سوريا خلال المدى المنظور، وهذه التطورات لابد أنها ستفرض نفسها على النقاش العام.