تمتلك وزارة البيئة في مصر حزمة من الاختصاصات والصلاحيات الواسعة، التي من المفترض نظريًا أن تمكنها من تأمين حق كل مواطن في ماء نظيف وهواء نقي وبيئة صحية.
ووفقا للقوانين واللوائح، تتركز مهام الوزارة في وضع الاستراتيجيات والسياسات الوطنية لحماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة، والرصد والمتابعة لمستويات تلوث الهواء والماء، وتقييم الأثر البيئي للمشروعات، ومكافحة التلوث بكل أشكاله، هواء وماء وتربة، وإدارة ملف المخلفات الصلبة والخطرة، إلى جانب اختصاصات أخرى للتوعية والمتابعة والإشراف، ولكن معظمها بعيد عن فكرة المقال، التي جاءت من خلال المشاهدة كمواطن عادي يجوب شوارع العاصمة ككل المواطنين، وتصدمه الروائح وأكوام القمامة التي تعج بها شوارع محافظتي القاهرة والجيزة.
وقبل الحديث عما نشاهده ونشمه، نؤكد أن صلاحيات وزارة البيئة لو طبقت وفعلت، لكانت كفيلة بوضع حلول جذرية لأزماتنا البيئية المزمنة.
إلا أن للأسف هناك هوة سحيقة بين هذه النصوص التنظيمية والواقع الملموس الذي نعيشه، حيث تتحول بعض المناطق إلى بؤر للتلوث تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان، ناهيك عن حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور.
فالمواطن المصري الذي يلتزم بدفع الضرائب وأداء الخدمة العامة واحترام القوانين يستحق أن يعيش في بيئة نظيفة، وهو حق لا يقل أهمية عن أي حق آخر. ومع ذلك، ما زلنا نشهد مناطق بأكملها تختنق بين أكوام القمامة التي أصبحت جزءا من هويتها ووصفها الدائم، كمناطق شارع فيصل ومحيطه الذي لم يعد يحتمل البقاء فيه إلا للمضطرين ممن لم يستطيعوا العيش في أماكن أخرى تكون أفضل في بيئة نظيفة، وليس في مكان تتركز فيه القمامة حتى باتت جزءا من الروتين اليومي الذي يتقبله المواطن رغما عن أنفه.
وأي متجول في شوارع القاهرة والجيزة لا بد أن تصدمه ثلاث بؤر لتلوث الهواء والبيئة، وهي ثابتة لا تتغير، تلفت نظر كل من يمر عليها إلا المختصين أو المسؤولين عن ملف البيئة عموما.
أول هذه البؤر هو سفح المقطم ومنطقة الزبالين، وهي منطقة ملاصقة لمطلع دير الأنبا سمعان الخراز، أحد المزارات السياحية والدينية المهمة التي يزورها المصريون والأجانب على حد سواء، ورغم الهيبة الروحانية للدير من الداخل، فإن الزائرين يتأذّون من الروائح الكريهة والقمامة المنتشرة، والتي تمتد لتخترق جدران الدير، مما يشكل صورة متناقضة ومحزنة.
أما البؤرة الثانية فتقع عند نهاية محور ستة وعشرين يوليو بالقرب من ميدان لبنان، وهذه البؤرة يعرفها جيدًا كل من يسلك الطريق الدائري في اتجاه الهرم من الشيخ زايد أو أكتوبر، أو المتجه من الهرم إلى شبرا، وهي اليوم أصبحت منطقة مرور رئيسية لآلاف الزوار المتجهين إلى المتحف المصري الكبير ومنطقة الأهرامات، لتعطي انطباعًا سيئًا للزائرين عن الوجه الحضاري للعاصمة.
والبؤرة الثالثة تقع أسفل الطريق الدائري عند مدخل الطريق السياحي الجديد، وهي أيضا منطقة محاطة بالمناطق السياحية الحالية والمستقبلية، مما يجعلها نقطة سلبية في مسار رحلة السائح الذي نتطلع إلى جذبه.
والغريب في الأمر أن هذه التجمعات للقمامة ليست جديدة، بل ممتدة منذ عشرات السنين، وهذا يعني أن العديد من وزراء البيئة على اختلافهم قابلوا هذه المشكلة ورأوها بأم أعينهم، لكن يبدو أنه لا حل لديهم. وهذا محير حقا، خاصة أن الحلول ليست مستحيلة، والأفكار موجودة، ونملك العشرات من الباحثين والخبراء في شتى المجالات البيئية الذين يمكنهم تقديم الحلول العلمية والعملية، كما أن لدينا أجهزة للبيئة وهيئات للنظافة في كل محافظة، ومهمتها المعلنة مكافحة التلوث البيئي.
فهل من المعقول أن كل من مر من هذه المناطق من الوزراء والمسؤولين كان أنفه مسدودًا؟ أم أنهم جميعا أصيبوا بزكام دائم أعماهم وأصمهم عن رؤية هذه الكارثة البيئية والإنسانية؟
الخلاصة هي أن البيئة النظيفة ليست رفاهية، بل هي قضية صحة عامة وكرامة إنسانية وصورة دولة. آن الأوان لتحويل نصوص القانون إلى واقع ملموس يشعر به المواطن عند بيته، ويشعر به الزائر عند معلمه السياحي. فهل نرى تحركا جادًا يليق بحجم المشكلة وقيمة الإنسان المصري؟ نتمنى.